Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270
منتدى مولى الموحدين - الأسئلة الفقهية http://www.imamali.net/aqaed/vb/ ar Tue, 26 Sep 2017 20:00:32 GMT vBulletin 60 http://www.imamali.net/aqaed/vb/images/misc/rss.png منتدى مولى الموحدين - الأسئلة الفقهية http://www.imamali.net/aqaed/vb/ المراحل النهائية للأصول http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2922-المراحل-النهائية-للأصول&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 14:07:38 GMT المراحل النهائية للأصول أهداف الدرس 1-ان يتعرّف إلى المدرسة الرابعة والأخيرة للأصول. 2-ان يتعرّف إلى أهم علماء هذه المدرسة. 97 المراحل النهائية للأصول
أهداف الدرس


1-ان يتعرّف إلى المدرسة الرابعة والأخيرة للأصول.
2-ان يتعرّف إلى أهم علماء هذه المدرسة.


97


ومن أبرز من واجه الحركة الأخباريّة واستطاع أن يقضي عليها، ويشيد أركان علم الأصول هو:


14- الوحيد البهبهانيّ:


محمّد باقر بن محمّد أكمل. ولد في أصفهان سنة 1118 هـ وتوفّي في سنة 1205هـ1.


له عدّة مصنّفات وفي مجالات متعدّدة نذكر منها في أصول الفقه:


1- الحواشي على المعالم.
2- حاشية على قوانين الأصول.
3- الاجتهاد والأخبار، الاجتهاد والتقليد ( في الردّ على الأخباريّين ).
4- الفوائد الأصوليّة.
5- الردّ على شبهات الأخباريّين.
6- الفوائد الحائريّة: (العتيقة، والجديدة).


وبمجيء البهبهانيّ دخل علم الأصول مدرسته الرابعة، وتطوّر على يده ويد تلامذته ومن جاء بعده. ويمكن تقسيم هذه المدرسة إلى أدوار:


99


الدور الأول:


يتمثل بتلامذة البهبهانيّ أمثال:


ا- السيّد مهدي بحر العلوم الطباطبائيّ النجفيّ2: ولد في كربلاء سنة 1155 هـ، وتوفّي في النجف سنة 1212 هـ. ألّف القواعد الأصوليّة، وشرح كتاب الوافية للفاضل التونيّ.


2- الشيخ جعفر بن خضر النجفي المعروف بكاشف الغطاء3: توفّي في النجف سنة 1227 هـ. ألف كتاب كشف الغطاء ذكر في مقدمته مختصراً في أصول الفقه. يعدّ هذا الكتاب من أنفس الكتب العلميّة في المعاهد الإماميّة.


3- صاحب القوانين: الشيخ أسد الله بن إسماعيل الدزفوليّ الكاظميّ4. ولد في دزفول سنة 1185 هـ وتوفّي في النجف سنة 1234 هـ.
ألّف في هذا المجال كتابه كشف القناع عن وجوه حجيّة الإجماع، اعتمد عليه الشيخ الأنصاريّ في كتابه الرسائل كثيراً، وهذا ممّا يدل على مدى تضلّعه في الفقه والأصول.


4- الميرزا أبو القاسم بن محمّد حسن الجيلاني الملقّب بالمحقّق القمّيّ5: ولد في بلدة جابلاق من أعمال رشت سنة 1151 هـ وتوفّي في قم سنة 1231 هـ.
أشهر كتبه القوانين المحكمة في علم الأصول، من أجلّ كتب الأصول لدقائقه


100


وغوامضه، اهتمّ به العلماء فكتبوا عليه شروحاً وحواشيَ، بعد أن أصبح من الكتب الدراسيّة في المعاهد العلميّة.


5- صاحب الرياض: السيّد علي بن محمّد الطباطبائيّ، وهو ابن أخت الوحيد البهبهانيّ6. ولد في الكاظميّة سنة 1161 هـ وتوفيّ في كربلاء سنة 1231 هـ.
ألّف عدّة كتبٍ أشهرها رياض المسائل، ظهرت فيه براعته في القواعد الأصوليّة وتطبيقها على المسائل الفرعيّة، وتسلّطه على القواعد الفقهيّة. كما وكتب في علم الأصول عدّة رسائل أبرزها: رسالة في اجتماع الأمر والنهي، رسالة في حجيّة الإجماع، والاستصحاب.


الدور الثاني:


وقد حصل التقدّم في هذه المرحلة على يد جمع من العلماء أبرزهم:


1- صاحب الهداية: محمّد تقي بن عبد الرحيم الطهرانيّ الأصفهانيّ، المتوفي سنة 1248 هـ. له كتاب هداية المسترشدين، وهو شرح على كتاب معالم الأصول.


2- صاحب الفصول: محمّد حسن بن عبد الرحيم الأصفهانيّ، المتوفي في كربلاء سنة 1261 هـ. له كتاب الفصول في علم الأصول، وهو من أحسن ما كتب في هذا العلم، وأجمعها للتحقيق والتدقيق.


3- شريف العلماء: محمّد شريف بن حسن علي الآمليّ المازندرانيّ، توفي في كربلاء بمرض الطاعون سنة 1245 هـ.
قدّر له أن يربّي عدداً من العلماء أصبحوا من كبار المحقّقين، كالمحقّق الأنصاريّ المرتضى، وسعيد العلماء المازندرانيّ، وصاحب الضوابط، والملا آغا الدربنديّ، والسيّد محمّد شفيع الجابلاقيّ.


101


4- أحمد بن محمّد مهدي النراقي الكاشاني، توفّي سنة 1245 هـ. تتلمذ على يديه الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاريّ.


5- القزوينيّ: السيّد إبراهيم بن محمّد باقر الموسويّ القزوينيّ، توفي في سنة 1262 هـ. له ضوابط الأصول، ونتائج الأفكار، فيه مائة وخمسون فصلاً مشحونة بالتحقيق والتدقيق.


6- الكلباسيّ: محمّد إبراهيم بن محمّد حسن الكاخيّ، المتوفي سنة 1261هـ. له كتاب الإشارات في الأصول، وهو كتاب جليل محلّ عناية أهل الفضل والعلم.


7- صاحب الجواهر: الشيخ محمّد حسن بن باقر النجفيّ، المتوفي سنة 1266 هـ. برزت فقاهته في تطبيقه للقواعد الأصوليّة في الأبحاث الفقهيّة، وذلك في كتابه الشهير والذي عليه المعتمد إلى اليوم وهو كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام.


8- صاحب المحصول: السيّد محمّد بن حسن الأعرجيّ الكاظميّ، المتوفي سنة 1214 هـ.ألّف كتابه المحصول في علم الأصول، والوافي في شرح الوافية للفاضل التونيّ.


الدور الثالث:


ارتقى علم الأصول إلى آخر درجات الرقيّ على يد الشيخ الأعظم وتلامذته، فكانت مدرسة الأصول الحاليّة. وكلّ من جاء بعد الشيخ الأعظم ترعرع في كنف أفكار مدرسته. ونحن نذكر الشيخ الأنصاري وأبرز طلابه ومروّجي مدرسته.


- الشيخ الأنصاريّ7
مرتضى بن محمّد أمين. ولد في دزفول سنة 1214 هـ وتوفي في النجف سنة 1281 هـ.


102


حياته العلميّة:


درس المقدمات على يد والده الذي سافر به ليتتلمذ على يد السيّد شريف العلماء، فبقي عنده مدّة عامٍ واحدٍ في كربلاء، ثمّ انتقل إلى النجف ليدرس على يد الشيخ كاشف الغطاء، ثمّ أخذ بالتجوال في بلاد إيران للتعرّف إلى الشخصيّات العلميّة والاستفادة من آرائهم، فالتقى بالسيّد محمّد باقر الشفتيّ في أصفهان، ثمّ حضر درس العلامة النراقيّ في كاشان مدّة أربعة أعوام، ثم زار مشهد الرضا عليه السلام، واستقرّ من سفره في مسقط رأسه دزفول، ليباشر التدريس والتأليف.


لكنّه عاد إلى النجف ليحضر درس الفقيه الشيخ علي كاشف الغطاء مدّة خمسة أعوام. وبعد وفاة أستاذه بدأ بالتدريس في النجف. إلا أنّ الزعامة العلميّة كانت لصاحب الجواهر، لكنها انتقلت للشيخ بعد وفاته مباشرةً، بتعيينٍ من صاحب الجواهر لما كان يرى فيه من الأهليّة والكفاءة، واستلم زمام زعامة الطائفة الشيعيّة التي قلّدته كلّ شؤونها.


لقد كان للشيخ الأعظم الدور البارز في تفعيل حركة الأصول، وتعميقه، وتهذيب هذا العلم وترتيبه بشكلٍ أخرجه بحلّة جديدةٍ لم تكن من قبل. ولذلك يعتبر الشيخ المؤسس لهذا العلم بهذا اللحاظ، وأصبح فهم مراد الشيخ والوصول إليه دليلاً على تبحّر المحقّقين.


أهمّ كتبه الأصوليّة:


- الرسائل: وهو كتاب فرائد الأصول، يعتبر من أوسع الكتب الأصوليّة في مجال الأصول العقليّة والعمليّة. ولأهميّة هذا الكتاب كان مورد عناية العلماء في الحوزات العلميّة، فكُتبت حوله الشروح والتعليقات والحواشي. وما زال إلى اليوم من أهمّ المراجع الأصوليّة، والكتب الدراسيّة. وما


103


زالت آراء الشيخ هي المحور والأساس في دروس الخارج الأصوليّة.


وقد امتاز الشيخ بكثرة تصنيفاته، حتى قيل إنّه لا يوجد رأيٌ أصوليّ إلا وتعرّض له الشيخ، فتجد له ذكراً في أحد مصنّفاته، أو جذراً وأساساً فيها. كما وامتاز الشيخ بإدارته للحوزة العلميّة، ورعايته لشؤون الطائفة الشيعيّة. ومن أبرز خصائصه أنّه استطاع أن يؤسّس لمدرسةٍ جديدةٍ، كما واستطاع أن يربّي طلاباً يحملون آراءه وأفكاره نذكر أبرزهم:


أهمّ علماء الأصول في هذه المدرسة:


1- السيّد المجدّد ميرزا حسن الشيرازيّ:
ولد في مدينة شيراز سنة 1230 هـ وتوفّي في سامرّاء سنة 1312 هـ، وحمل منها إلى النجف الأشرف.


أصبح زعيم الطائفة بعد وفاة الشيخ الأعظم، وسافر إلى سامراء لزيارة الإمامين العسكريّين عليهم السلام، لكنّه جاور فيها، فانتقل العلماء ليجتمعوا حوله في هذه البلدة الصغيرة. وبذلك يكون قد نقل عاصمة التشيّع من النجف إلى سامرّاء.


وكان للمجدّد الشيرازيّ نفوذ قويّ وتأثير بالغ في قلوب الشيعة. وقد برز ذلك في طاعتهم له المطلقة عندما أصدر حكمه الشهير في تحريم التنباك على عهد السلطان القاجاريّ ناصر الدين شاه، الذي امتلأ خوفاً وهيبةً من نفوذ سلطانه وحكمه، فأسرع في إلغاء معاهدته مع بريطانيا8.


لم يترك المجدّد العظيم تصنيفاً أو تأليفاً رغم غزارة علمه، لكنه عنيَ بتربية جيل كبير من العلماء التحقوا به في سامرّاء، كان بعضهم زعيماً للتشيّع فيما بعد، أبرزهم:


104


- المحدّث حسين النوريّ صاحب مستدرك الوسائل(1254- 1320 هـ).
- الشيخ الشهيد فضل الله بن ملا عباس النوريّ. انتقل إلى طهران وأصبح من الأعلام الذين يشار إليهم بالمكانة والعلم. وقد أعدم فيها سنة 1327 هـ‍ بقضية المشروطة والمستبدّة9.
- السيّد محمّد كاظم اليزديّ (ت: 1337 ه‍-) صاحب كتاب العروة الوثقى.
- السيّد إسماعيل الصدر(1353-1400 هـ).
- المحقّق محمّد كاظم الخراسانيّ (ت: 1329 هـ) صاحب كفاية الأصول.


2- الميرزا أبو القاسم كلانتر النوريّ الطهرانيّ:
ولد الميرزا في طهران سنة 1236 هـ ودفن فيها سنة 1292 هـ في صحن السيّد عبد العظيم الحسنيّ. ويعتبر من أبرز طلاب الشيخ الأعظم، وساهم مساهمةً كبيرةً في بيان آراء الشيخ المغلقة في مجالي الفقه والأصول. وهو صاحب كتاب مطارح الأنظار، تقريرٌ لبحث أستاذه الشيخ الأنصاريّ، أدرج فيه معظم مباحث الألفاظ، وبذلك يكون قد أكمل مع الرسائل دورة الشيخ الأصوليّة.


3- الميرزا حبيب الله الرشتيّ:
حبيب الله بن محمّد علي الرشتيّ، ولد سنة 1234هـ وتوفّي سنة 1312 هـ.


بدأ الدراسة في بلده ثم انتقل منها إلى قزوين، ومن ثمّ غادر إلى النجف لمتابعة دراسته. وقبل عودته إلى بلده ظنّاً منه أنّه أنهى دراسة المطالب، تعرّف إلى الشيخ الأنصاريّ وجرى بينهما
بحثٌ أدرك فيه أنّ الشيخ بحرٌ لا يدرك قعره، فقرّر حضور درسه، ولازمه من وقتها حتى وفاة الشيخ مدةً تبلغ سبع سنين.


105


كان يهرب من المرجعيّة والفتوى لشدّة ورعه واحتياطاته، فتفرّغ للتأليف والتدريس، واشتهر ببيانه الساحر لا سيما في المطالب المعقّدة، كما وترك لطلاب العلوم تراثاً ضخماً، وأبرز مؤلفاته كتاب بدائع الأصول، وتقريرات أستاذه.


4- الآخوند الخراسانيّ:10
هو المحقّق الملا محمّد كاظم المشهور بالآخوند الخراسانيّ، ولد في هرات سنة 1255 هـ من قرى خراسان، وتوفّي في النجف سنة 1329 هـ.


توجّه إلى سبزوار في إيران وأخذ فيها الفلسفة على يد الحكيم الملا هادي السبزواريّ، ثم هاجر إلى النجف ليلتحق بدرس الشيخ الأنصاريّ ما يقارب الأربع سنوات، وبعدها حضر درس المجدّد الشيرازيّ. وبعد وفاة المجدّد اشتغل بالتدريس فالتفّ حوله جمعٌ من أهل الفضل والعلم، حتى أنّه قد تجاوز عدد طلابه الألف بين مجتهدٍ وفاضلٍ، وتربّى في مدرسته المحقّقون والمجتهدون في القرن الرابع عشر.


أشهر كتابٍ له هو كفاية الأصول، أبرز فيه آراءه، وخالف آراء أستاذه الشيخ الأعظم في عددٍ من الموارد. ويعتبر هذا السفر، إلى اليوم، آخر كتابٍ يدرّس في الحوزات العلميّة وقبل الانتقال إلى مرحلة البحث الخارج. وهو مؤلفٌ من قسمين، الأوّل في مباحث الألفاظ، والثاني في الأصول العمليّة والعقليّة. وقد عنيَ به العلماء كثيراً فخرجت حوله عدّة شروحٍ وحواشٍ وتعليقات. وما زال هو المحور في دراسة البحث الخارج في الأصول.


مروّجو مدرسة الأنصاريّ:


ونهدف في هذه الصفحات للتعرّض لعلماء كان لهم السهم الأوفى في الترويج


106


لأفكار الشيخ الأنصاريّ وبيان مبانيه في الفقه والأصول، لا سيما في النجف الأشرف. فقد قدّر لهم أن يعقدوا محافل للتدريس، ويلتفّ حولهم الطلاب، فاستطاعوا بنبوغهم العلميّ وأسلوبهم التحقيقيّ أن يربّوا عدداً من العلماء والمحقّقين صاروا أصحاب معاهدَ وحوزاتٍ ربّوا فيها المئات من العلماء، كان في طليعتهم:


1- الميرزا النائيني:11
محمّد حسين بن عبد الرحيم النائينيّ النجفيّ، ولد في نائين سنة 1277 هـ وتوفّي سنة 1355 هـ في النجف الأشرف.


درس في بلدته المقدّمات، ثمّ انتقل إلى أصفهان حيث درس فيها الفقه والأصول، ثمّ هاجر إلى العراق ونزل سامرّاء ليدرس على يد كلّ من السيّد إسماعيل الصدر والسيّد محمّد الفشاركي والمجدّد الشيرازيّ، ثم انتقل إلى النجف الأشرف، حيث صاحب فيها الآخوند الخراسانيّ وعاونه في المهامّ السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة، وكان من أعضاء جلسة الاستفتاء عند الآخوند.


اتسع مجلس درسه بعد وفاة الآخوند الخراسانيّ، وأصبح من مراجع الشيعة بعد وفاة شيخ الشريعة الأصفهانيّ. وغادر العراق إلى قم المقدّسة احتجاجاً على تدخل الإنجليز في شؤون العراق.


ثم عاد بعد مدّةٍ إلى النجف ليتزعم هو وزميله السيّد أبو الحسن الأصفهانيّ مرجعيّة الشيعة، ولم ينقطع عن التدريس، لكنّه اشتهر في درس الأصول حتى عُدّ مجدّداً في هذا العلم. كتب تلامذته تقريرات درسه الأصوليّ. وهي مطبوعة اليوم بإسم: أجود التقريرات، وفوائد الأصول.


107


2- الآغا ضياء الدين العراقيّ:12
ضياء الدين بن محمّد العراقيّ النجفيّ. ولد سنة 1287 هـ وتوفّي في النجف سنة 1361 هـ.درس المقدّمات في بلده ثم هاجر إلى أصفهان ليدرس عند أعلامها، ثمّ عاد إلى النجف وحضر عند السيّد محمّد الفشاركي والآخوند الخراسانيّ، والسيّد كاظم اليزديّ، وشيخ الشريعة الأصفهانيّ.


عُرف بنبوغه المبكر وعذوبة منطقه وحُسن إلقائه، فاشتهر بالتدريس والتفّ حوله عددٌ من طلاب العلوم. وشاع اسمه بعد وفاة أستاذه الآخوند. وظلّ يدرّس مدّة ثلاثين سنةٍ. ألّف كتاب مقالات الأصول.


3- الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ:13
محمّد حسين بن محمّد حسن الأصفهانيّ النجفيّ الشهير بالكمبانيّ، ولد سنة 1296 هـ وتوفّي في النجف سنة 1361 هـ.


تخرّج في الفقه والأصول على السيّد محمّد الفشاركيّ، والشيخ آغا رضا الهمدانيّ، كما وحضر عند الآخوند الخراسانيّ مدّة ثلاث عشرة سنة.


استقلّ بالتدريس بعد وفاة أستاذه الآخوند، وكان جامعاً متقناً شارك في التفسير والفلسفة والعرفان والتاريخ والفقه والأصول والأدب، كما وكان له القدح المعلّى في النظم.


ولأجلّ إتقانه للفلسفة كانت ابحاثه الأصوليّة مشبعة بها، وترك اثاراً تدلّ على عظمته ومدى تبحّره منها نهاية الدراية في شرح كفاية الأصول.


108


خلاصة الدرس
المدرسة الرابعة، المراحل النهائيّة للأصول:


من أبرز من واجه الحركة الأخباريّة واستطاع أن يقضي عليها، ويشيد أركان علم الأصول هو:


الوحيد البهبهانيّ، وبمجيئه دخل علم الأصول مدرسته الرابعة، وتطوّر على يده ويد تلامذته ومن جاء بعده. ويمكن تقسيم هذه المدرسة إلى أدوار:


الدور الأوّل: يتمثل بتلامذة الوحيد.
الدور الثاني: قد حصل التقدّم في هذه المرحلة على يد جمع من العلماء من أبرزهم: صاحب الهداية، وصاحب الفصول، وشريف العلماء، وصاحب الجواهر.
الدور الثالث: ارتقى علم الأصول إلى آخر درجات الرقيّ على يد الشيخ الأعظم وتلامذته، فكانت مدرسة الأصول الحاليّة. وكلّ من جاء بعد الشيخ الأعظم ترعرع في كنف أفكار مدرسته.


أسئلة الدرس
1- من أبرز من واجه الحركة الأخباريّة؟
2- على يد من وصلت المدرسة الأصوليّة إلى مراحلها النهائيّة؟
3- تحدّث عن أدوار المدرسة الأصوليّة الرابعة.
4- تحدّث عن الشيخ الأعظم ودوره في الأصول.


هوامش
1- راجع الأمين(ت: 1371) ـ محسن/ أعيان الشيعة/ تحقيق حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، ط. 1983م./ ج 9 ص 182.
2- راجع الأنصاري ـ محمّد علي: الموسوعة الفقهيّة الميسّرة/ منشورات مجمع الفكر الإسلاميّ، قم ـ إيران، ط. الأولى 1415 هـ ج1 570.
3- راجع: الغفار ـ عبد الرسول: الكليني والكافي/ منشورات مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرفة، ط. الأولى 1416 هـ ص 86.
4- راجع: الشيخ الأنصاري: رسائل فقهيّة/ تحقيق لجنة تراث الشيخ الأعظم/ منشورات المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاريّ، ط. الأولى1414 هـ ص 383.
5- راجع: القمي ـ عباس(ت: 1359): الكنى والألقاب/ منشورات مكتبة الصدر، طهران ـ إيران/ ج 1 ص 142.
6- راجع: الطباطبائيّ ـ علي: رياض المسائل/ منشورات مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ط. الأولى 1412 هـ ج 1 المقدمة ص 109.
7- راجع الأنصاري ـ محمّد علي: الموسوعة الفقهيّة الميسّرة/ منشورات مجمع الفكر الإسلاميّ، قم ـ إيران، ط. الأولى 1415 هـ،ج1 ص 567.
8- راجع: الأمين(ت: 1371) ـ محسن/ أعيان الشيعة/ تحقيق حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، ط. 1983م./ ج 1 ص 147 و ج3 ص 120.
9- راجع: الروزدري ـ المولى علي(ت: 1290 هـ): تقريرات المجدد الشيرازيّ/ تحقيق: مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم ـ إيران/ ط. الأولى 1409 هـ ج1 ص 23.
10- راجع: كحالة ـ عمر/ معجم المؤلّفين/ مكتبة المثنى، ودار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، ج 11 ص 155.
11- راجع: المازندراني ـ موسى الحسيني: العقد المنير/ المطبعة الإسلامية/ منشورات: مكتبة الصدوق، طهران ـ إيران، ط. الثانية 1382هـ ش. ص 444.
12- راجع: العراقي ـ ضياء الدين: روائع الأمالي في فروع العلم الإجمالي/ الناشر: مؤسسة النشر الإسلاميّ ط. 1414، مقدّمة الكتاب ص 3.
13- راجع: الشاكري ـ حسين: ربع قرن مع العلامة الأمينيّ/ مطبعة ستاره، إيران/ ط. الأولى 1417 هـ، ص 24. ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2922-المراحل-النهائية-للأصول
المدارس الاصولية http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2921-المدارس-الاصولية&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 14:05:50 GMT المدارس الأصوليّة (1) أهداف الدرس 1-ان يتعرف مدرسة ما قبل التأليف الأصولي. 2-ان يتعرف مدرسة بداية التأليف الأصولي. 3-ان يتعرف على أهم رجالات... المدارس الأصوليّة (1)
أهداف الدرس


1-ان يتعرف مدرسة ما قبل التأليف الأصولي.
2-ان يتعرف مدرسة بداية التأليف الأصولي.
3-ان يتعرف على أهم رجالات هذه المدارس وأهم كتبها.


69


تمهيد:


لقد كان المسلمون في راحةٍ في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من جهة التعرّف إلى أحكامهم الشرعيّة، وذلك لسببين رئيسين هما:
1- وجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بينهم، وهو مصدر التشريع الأساس بعد الله سبحانه، فهم كلّما تعرّضوا لمشكلةٍ سارعوا إليه في حلّها.
2- عدم اتساع دائرة الدولة الإسلاميّة، وعدم مواجهة المسلمين للمشاكل والمسائل الكثيرة، كما حدث ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم. حيث احتاجوا إلى الفحص عن أحكامهم في كلّ مستجدّاتهم.


القرآن والعترة:


وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بما سيواجه الأمّة من بعده من مشاكل ومسائل، فجعل مصدرين مهمّين يلجأ إليهما المسلمون في حلّ مشاكلهم، هما القرآن الكريم والعترة الطاهرة. وقد صرّح بذلك مراراً في طول حياته الشريفة، فقال: "إنّي تاركٌ فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما أن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً"1 فجعلهما في عرضٍ واحدٍ، وحثّ المسلمين على اتباعهما


71


والتمسّك بهما. وبذلك يكون قد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنّ القرآن- وإن كان هو المصدر الأصيل للتشريع- لكنّه يحتاج إلى مفسّرٍ، فجعل عترته الطاهرة- وهم الذين تربّوا في حجره وفي بيته الذي نزل فيه القرآن- مفسّرين له.


وبعد أن واجه المسلمون مسألة الخلافة بعد الرسول، حصل الانشقاق بينهم إلى فريقين: الأوّل اتبع قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فتمسّك بالكتاب والعترة معاً، والآخر رفض التمسّك بالعترة وقال: "حسبنا كتاب الله"2. وكان لهذا الانشقاق أثره الكبير في كيفيّة التفكير، وحلّ المشكلات.


ونحن إنّما نتعرّض للتفكير الأصوليّ خاصّةً في نطاق مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ونقسّم الأدوار التي مرّ بها هذا التفكير إلى أربع مدارس:


المدرسة الأولى، ما قبل التأليف:


حيث وجدت بذرة التفكير الأصوليّ لدى الفقهاء من أصحاب الأئمّة عليهم السلام، منذ عصر الصادقين عليهم السلام. وقد كانت القواعد الأصوليّة آنذاك عبارة عن رواياتٍ وليست اصطلاحات كما هو متعارف في المدارس الأصوليّة المتأخرة.ونحن ذاكرون بعض الشواهد على هذه البذرة الأصوليّة، أي بذرة الاجتهاد لدى أصحاب الأئمّة:


الأول: هو وجود بعض الروايات في كتب الحديث يعود تاريخها إلى هذه المرحلة، يذكر فيها عدداً من العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط، كأصالة البراءة، وعدم التكليف بما لا يطاق، والاستصحاب، والعامّ والخاصّ، وحجيّة خبر الثقة، وعلاج الأخبار المتعارضة، وغيرها، وإليك بعضاً يسيراً من هذه الروايات:


72


1- محمّد بن علي بن الحسين قال وقال الصادق عليه السلام: "كلّ شيءٍ مطلقٌ حتى يرد فيه نهيٌ"3.
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "وضع عن أمّتي تسع خصالٍ: الخطاء والنسيان وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه (...")4.


2- محمّد بن يحيى وغيره، عن محمّد بن أحمد، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤيّ بإسناده قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: "الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر"5.


3- محمّد بن إدريس في آخر (السرائر) نقلاً من كتاب هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إنّما علينا أن نلقي إليكم الأصول، وعليكم أن تفرّعوا"6.


4- وعنه (أي محمّد بن مسعود عن محمّد بن نصير، عن محمّد بن عيسى، عن عبد العزيز بن المهتدي والحسن بن عليّ بن يقطين جميعاً، عن الرضا عليه السلام قال: قلت: لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقةٌ، آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم7.


73


الثاني: وجود بعض الكتب والمؤلفات في مسائل أصول الفقه، لأصحاب الأئمة عليهم السلام:


1- هشام بن الحكم (ت: 199هـ): وهو يعدّ شيخ المتكلّمين في الأصوليين الإماميّة، من حواريي الإمام الصادق عليه السلام. صنّف كتاباً في مباحث الألفاظ، الذي يعدّ أكبر وأهمّ بابٍ في علم الأصول، وهو أوّل كتاب ألّف في هذا العلم،


2- يونس بن عبد الرحمن: قال عنه النجاشي: "مولى عليّ بن يقطين بن موسى، مولى بني أسد، أبو محمّد: كان وجهاً في أصحابنا متقدماً، عظيم المنزلة، (...) وروى عن أبي الحسن موسى والرضا عليهما السلام، وكان الرضا يشير إليه في العلم والفتيا (...)"8.


3- أبو سهل النوبختيّ إسماعيل بن علي: ذكره ابن النديم وقال فيه إنّه "من كبار الشيعة (...) وكان فاضلاً عالماً متكلّماً، وله مجلسٌ يحضره جماعةٌ من المتكلمين، (...) وله من الكتب: (وذكر مجموعةً من الكتب ومنها) كتاب إبطال القياس، (...) كتاب نقض اجتهاد الرأي (في الردّ) على ابن الراوندي"9.


4- الحسن بن موسى النوبختي: قال فيه النجاشيّ: "شيخنا المتكلّم المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها. له على الأوائل كتبٌ كثيرةٌ منها (وعدّ كتباً كثيرةً) وكتاب الخصوص والعموم"10.


74


المدرسة الثانية، بداية التأليف الأصوليّ:


وهي المرحلة التي بدأ فيها الفقهاء من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بتأليف الكتب في خصوص هذا العلم، وإن كانت في بدايتها غير متطوّرةٍ، وبدائيةٍ، ولكن تعدّ في مجالها باكورةً وافتتاحاً لعلمٍ جديدٍ، فكانت هذه المؤلّفات السبب الأساس لتطوّر علم الأصول، وبروز مدارس جديدة متطوّرة.


أهمّ علماء الأصول في هذه المدرسة:


1- الشيخ ابن أبي عقيل: وهو أبو محمّد الحسن بن عليّ بن أبي عقيل النعمانيّ الحذّاء: أوّل من ألّف في علم الأصول كتاباً يحمل عنوان "المتمسّك بحبل آل الرسول"، كان معاصراً للشيخ محمد بن يعقوب الكليني، وللشيخ الصدوق علي بن بابويه القميّ.


2- الشيخ ابن الجنيد: وهو أبو علي محمّد بن أحمد بن جنيد الاسكافيّ: اقتفى أثر ابن أبي عقيل، فكان له في هذا المجال كتابان: الأوّل (كشف التمويه والإلباس على أغمار الشيعة في أمر القياس)، والثاني (إظهار ما ستره أهل العناد من الرواية عن أئمّة العترة في أمر الاجتهاد)، ذكرهما النجاشيّ ضمن فهرست كبيرٍ بأسماء كتبه قائلاً في حقّه: "أبو عليّ الكاتب الإسكافي وجه في أصحابنا، ثقةٌ، جليل القدر. صنّف فأكثر"11، "قيل: مات بالري سنة 381 هـ"12.


3- الشيخ المفيد: وهو أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان: الملقّب بالمفيد، قال عنه النجاشيّ: "شيخنا وأستاذنا (رضي الله عنه). فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم. له كتب:


75


(ذكرها وعدّ منها) كتاب جواب المسائل في اختلاف الأخبار، كتاب مسألةٍ في القياس مختصر، كتاب مسألة في الإجماع، كتاب في القياس، كتاب النكت في مقدّمات الأصول، (...) مات رضوان الله عليه ليلة الجمعة لثلاث (ليالٍ) خلون من شهر رمضان سنة 413 هـ، وكان مولده يوم الحادي عشر من ذي القعدة سنة 336 هـ، وصلّى عليه الشريف المرتضى".13


مشايخه: قرأ على كثيرٍ من العلماء ورواة الآثار من المدرستين، أشهرهم من مشايخ الخاصّة الشيخ جعفر بن محمّد بن قولويه القميّ، والشيخ الصدوق أبو جعفر بن بابويه القميّ، وأبو حسن أحمد بن الوليد، وأبو غالب الزراريّ.


تلامذته: تتلمذ على يديه جمعٌ غفيرٌ من أقطاب العلم أبرزهم الشريفان الرضيّ محمّد بن الحسين، وأخوه المرتضى علم الهدى.


4- السيد المرتضى: وهو عليّ بن الحسين بن موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الإمام الكاظم عليه السلام.
قال عنه النجاشيّ: "حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحدٌ في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلّماً شاعراً أديباً، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا. صنّف كتباً، (ذكرها ونحن نذكر منها ما يتعلّق في هذا العلم): الخلاف في أصول الفقه، شرح الخلاف، كتاب الذريعة، (...) مات (رضي الله عنه) لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة 436 هـ، وصلّى عليه ابنه في داره ودفن فيها، وتولّيت (أي الشيخ النجاشيّ) غسله ومعي الشريف أبو يعلى محمّد بن الحسن الجعفريّ وسلّار بن عبد العزيز"14.


76


- أبرز تلامذة المرتضى:


أ- الشيخ الطوسيّ: رئيس الطائفة وهو محمّد بن الحسن الطوسيّ (385- 460 هـ ).
ب- ابن سلّار: وهو حمزة بن عبد العزيز الديلميّ الملقّب بسلّار، المتوفي سنة 463 هـ، كان من خاصّة أصحاب المرتضى، عيّنه السيّد نائباً عنه في البلاد الحلبيّة، وكان من أبرز علماء الإماميّة وأعاظمها.
ج- القاضي البرّاج: وهو عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسيّ، المتوفّى سنة 481 هـ، استلم القضاء في طرابلس مدّة عشرين سنة. كان وجهاً من وجوه الإماميّة وفقهائهم.
د- القاضي محمّد بن عليّ أبو الفتح الكراجكيّ، وهو مؤلّف كتاب كنز الفوائد، المتوفّى سنة 449 هـ.


ملامح المدرسة:


تقدّم أنّه في المدرسة الأولى كان الفقه عبارةً عن نقل الأحكام الشرعيّة عبر الأحاديث والروايات عن المعصوم عليه السلام، واستعراض للنصوص، أما هذه المدرسة فأهمّ ميّزاتها:


1- أنها بدأت معالجة النصوص والروايات، من خلال استخدام القواعد والأصول. فمن عصر ابن الجنيد حتى عصر الطوسيّ تحوّلت عملية استنباط الحكم الشرعيّ من عرض النصوص إلى عمليّة فكريّة تستعمل القواعد والأصول، تبتنى على أسس خاصّةٍٍ. نعم لم تبلغ هذه القواعد مرحلة الرشد، "ولم تتجاوز في الغالب مباحث الألفاظ والأوامر والنواهي ودلالات هيئات الألفاظ وموادها"15.


77


2- انفصال البحث الأصوليّ عن البحث الفقهيّ. فقد كان من المتعارف أن تبحث القواعد الأصوليّة أثناء وفي طيّات البحث الفقهيّ، إلا أنّه في هذه المرحلة انفصل البحث الأصوليّ على حدةٍ وأفردت أبحاثه بشكل مستقلٍٍّ، ممّا ساعد على ظهور ملامح علمٍ مستقلٍّ جديد باسم (علم أصول الفقه)16.


3- حاول السيّد المرتضى في هذه المرحلة أن يفصل بين مباحث أصول العقائد، وأبحاث أصول الفقه، كما يشير إلى ذلك نفس السيّد في بداية كتابه الموسوم بالذريعة.


4- ومن أبرز ملامح هذه المرحلة هو ما روّج له السيّد المرتضى من نظريّة اشتهر بها، وهي عدم جواز التعبّد بخبر الواحد شرعاً، وإن كان العقل يحكم بجواز التعبّد به، ونسب ذلك إلى مذهب الإماميّة.


أهمّ الكتب الأصوليّة في هذه المدرسة:


أ- المتمسّك بحبل آل الرسول: للشيخ ابن أبي عقيل، قال عنه النجاشيّ: "كتابٌ مشهورٌ في الطائفة، وقيل ما ورد الحاج من خراسان إلا طلب واشترى منه نسخاً"17 وهذا الكتاب فقهيّ أكثر منه أصوليّاً.


ب- التذكرة بأصول الفقه: للشيخ المفيد. قال الآغا بزرك وهو يتحدّث عن كتاب أصول الفقه للشيخ المفيد: "ورواه عنه العلامة الكراجكي. وأدرجه مختصراً في كتابه كنز الفوائد المطبوع. وهو مشتملٌ على تمام مباحث الأصول على الاختصار وقد طبع بشكل مستقلّ في موسوعة الشيخ المفيد"18.


78


ج- كتاب الذريعة في علم أصول الشريعة: للشريف المرتضى علم الهدى، من جزأين، لم يصنّف مثله جمعاً ولا تحقيقاً، استوفي فيه كلّ مباحثه، وتعرّض لنقل الأقوال في مسائله. وكان هذا الكتاب هو المرجع في هذا العلم والذي يقرؤه الناس إلى زمن المحقّق نجم الدين الحليّ، فلمّا صنّف كتاب المعارج، وكان كتابه سهل العبارة والمأخذ، عكفت الطلبة عليه، وإن كان كتاب الذريعة إلى اليوم من أشهر الكتب في أصول الفقه عند الشيعة وأحسنها. ألّفه سنة 430 هـ. قال في أوّله: "فإنّني رأيت أن أملي كتاباً متوسطاً في أصول الفقه لا ينتهي بتطويل إلى الإملال، ولا باختصار إلى الإخلال (...) فقد وجدت بعض من أفرد في أصول الفقه كتاباً، وإن كان قد أصاب في كثيرٍ من معانيه وأوضاعه ومبانيه، قد شرد من قانون أصول الفقه وأسلوبها، وتعدّاها كثيراً وتخطاها"19. وحيث كان هذا الكتاب موضع اهتمام ودراسة طلبة العلوم، شُرح عدّة شروح، منهم شرحٌ للعلامة الحلّيّ، ولخّصه الشيخ الطوسيّ، وبقي هو الكتاب المعتمد حتى صنّف كتاب المعارج الآتي الذكر.


79


خلاصة الدرس
لقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بما سيواجه الأمّة من بعده من مشاكل ومسائل، فجعل مصدرين مهمّين يلجأ إليهما المسلمون في حلّ مشاكلهم، هما القرآن الكريم والعترة الطاهرة. وقد صرّح بذلك مراراً في طول حياته الشريفة.


وبعد أن واجه المسلمون مسألة الخلافة بعد الرسول، حصل الانشقاق بينهم إلى فريقين: الأوّل اتبع قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فتمسّك بالكتاب والعترة معاً، والآخر رفض التمسّك بالعترة وقال: "حسبنا كتاب الله". وكان لهذا الانشقاق أثره الكبير في كيفيّة التفكير، وحلّ المشكلات.


ونحن إنّما نتعرّض للتفكير الأصوليّ خاصّةً في نطاق مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ونقسّم الأدوار التي مرّ بها هذا التفكير إلى أربع مدارس:


المدرسة الأولى، ما قبل التأليف: حيث وجدت بذرة التفكير الأصوليّ لدى الفقهاء من أصحاب الأئمّة عليهم السلام، منذ عصر الصادقين عليهم السلام. وقد كانت القواعد الأصوليّة آنذاك عبارة عن رواياتٍ وليست اصطلاحات كما هو متعارف في المدارس الأصوليّة المتأخرة.


المدرسة الثانية، بداية التأليف الأصوليّ: وهي المرحلة التي بدأ فيها الفقهاء من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بتأليف الكتب في خصوص هذا العلم، وإن كانت في بدايتها غير متطوّرةٍ، وبدائيةٍ. ومن أبرز علماء هذه المدرسة الشيخ ابن أبي عقيل، والشيخ ابن الجنيد، والشيخ المفيد، والسيد المرتضى وتلامذته.


خصائص هذه المدرسة:
1- بدأت معالجة النصوص والروايات، من خلال استخدام القواعد والأصول.
2- انفصال البحث الأصوليّ عن البحث الفقهيّ.
3- حاول السيّد المرتضى في هذه المرحلة أن يفصل بين مباحث أصول العقائد، وأبحاث أصول الفقه.
4- نظريّة عدم جواز التعبّد بخبر الواحد شرعاً، وهو ما روّج له السيّد المرتضى.


أسئلة الدرس
1- ما هو سرّ الخلاف بين أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام وأتباع مدرسة الخلافة؟
2- ما هي سمات المدرسة الأصوليّة الأولى؟
3- ما هي سمات المدرسة الأصوليّة الثانية؟
4- أذكر ثلاثةً من علماء المدرسة الأصوليّة الثانية.


هوامش
1- راجع: مسند أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ)/ دار صادر، بيروت ـ لبنان/ ج3 ص 14 و 17. وج 4 ص 371. وج 5 ص 182 و 189. عبد الله بن بهرام الدارميّ (ت: 255 هـ): سنن الدارميّ/ مطبعة الاعتدال، دمشق ـ سوريا/ ط. 1349 هـ/ ج 2 ص 432.ومسلم النيسابوري: ( ت: 261): صحيح مسلم/ دار الفكر، بيروت ـ لبنان، ج 7 ص 123.
2- مسند أحمد بن حنبل (ت:241 هـ)/ دار صادر، بيروت ـ لبنان/ ج 1 ص 325.
3- الحرّ العامليّ (ت: 1104 هـ): وسائل الشيعة/ مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم ـ إيران، ط. الثانية 1414 هـ/ باب: جواز القنوت بغير العربية مع الضرورة، الحديث 3 ج 6 ص 298.
4- الكليني: (ت: 329 هـ): الكافي/ تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران ـ إيران، ط. الثالثة 1363 هـ ش./ باب ما رفع عن الأمّة، الحديث الثاني، ج 2 ص 463.
5- الكليني: (ت: 329 هـ): الكافي/ تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران ـ إيران، ط. الثالثة 1363 هـ ش./ باب طهور الماء، الحديث الثاني، ج 3 ص 1.
6- الحرّ العامليّ (ت: 1104 هـ): وسائل الشيعة/ مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم ـ إيران، ط. الثانية 1414 هـ/ باب: عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد، الحديث 52 ج 27 ص 61.
7- الحرّ العامليّ (ت: 1104 هـ): وسائل الشيعة/ مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم ـ إيران، ط. الثانية 1414 هـ/ باب: وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة، الحديث 33، ج 27 ص 147.
8- النجاشي (ت: 450 هـ): رجال النجاشي/ مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، بقم المشرفة ـ إيران، ط. الخامسة 1416 هـ/ الرقم 1208 ص 447.
9- ابن النديم (ت: 438 هـ)/ الفهرست / تحقيق تجدد ـ رضا / طهران/ ص 225.
10- النجاشي (ت: 450 هـ): رجال النجاشي/ مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، بقم المشرفةـ إيران، ط. الخامسة 1416 هـ/ الرقم 148 ص 63.
11- النجاشي (ت: 450 هـ): رجال النجاشي/ مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، بقم المشرفةـ إيران، ط. الخامسة 1416 هـ/ الرقم 147 ص 385.
12- القمي ـ عباس(ت: 1359): الكنى والألقاب/ منشورات مكتبة الصدر، طهران ـ إيران/ ج 2 ص 27.
13- النجاشي (ت: 450 هـ): رجال النجاشي/ مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، بقم المشرفة ـ إيران، ط. الخامسة 1416 هـ/ الرقم 1067 ص 399 ـ 402.
14- النجاشي (ت: 450 هـ): رجال النجاشي/ مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، بقم المشرفة ـ إيران، ط. الخامسة 1416 هـ/ الرقم 708 ص 270 ـ 271.
15- الشهيد الثاني (ت: 966 هـ)/ شرح اللمعة الدمشقيّة / تحقيق السيد محمّد كلانتر/ منشورات جامعة النجف الدينيّة، ط. الثانية 1398 هـ.ج 1 ص 65.
16- راجع في ذلك م. ن.
17- النجاشي (ت: 450 هـ): رجال النجاشي/ مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، بقم المشرفةـ إيران، ط. الخامسة 1416 هـ/ الرقم 100 ص 48.
18- الطهرانيّ ـ آغا بزرك( ت: 1389 هـ): الذريعة/ منشورات دار الأضواء، بيروت ـ لبنان/ ج 2 ص 209.
19- المرتضى ـ علم الهدى (ت: 436 هـ): الذريعة في علم أصول الشريعة/ تصحيح أبي القاسم رجي/ طبعة دانشكاه طهران 1346 هـ ش. ج 1 ص 2.

يتبع ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2921-المدارس-الاصولية
الإجتهاد الجديد والحركة الإخبارية http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2920-الإجتهاد-الجديد-والحركة-الإخبارية&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 14:04:44 GMT الإجتهاد الجديد والحركة الإخبارية أهداف الدرس 1-أن يتعرّف إلى الحركة الإخباريّة. 2-ان يتعرّف إلى المعنى الجديد للإجتهاد. 3-ان أعدد أهم آراء... الإجتهاد الجديد والحركة الإخبارية
أهداف الدرس


1-أن يتعرّف إلى الحركة الإخباريّة.
2-ان يتعرّف إلى المعنى الجديد للإجتهاد.
3-ان أعدد أهم آراء الإخباريين.


57


الحركة الأخباريّة:


وهي اتجاهٌ متطرّفٌ يدعو إلى التَّ-ع-بُّد فقط بالبيان الشرعيّ من أخبارٍ وأحاديث، وينكر دور العقل في مختلف الميادين، لأنّ العقل عرضةٌ للخطأ، وتأريخ الفكر العقليّ زاخرٌ بالأخطاء، فلا يصلح لكي يستعمل أداة إثباتٍ في أيّ مجالٍ من المجالات الدينيّة، ويشن حملةً شديدةً ضدّ الاجتهاد أيضاً. وقد وجدت هذه الحركة داخل نطاق الفكر الإماميّ،وتمثّلت في جماعةٍ من علمائنا قبل أربعة قرون تقريباً، وبرزت على يد مؤسسها الشيخ أمين الاسترآبادي1.


ويدّعي الأخباريّون أنّ حركتهم ليست جديدةً، ولا هي من إبداع الملا أمين، وإنّما هي امتدادٌ وإحياءٌ لطريقة القدماء وأهل الحديث، الذين عاصروا أئمة أهل البيت عليهم السلام أو قاربوا عصرهم كالشيخ الصدوق وأمثاله2. لكنّ انحراف


59


الناس باتِّباع أقوال ابي عقيل العمانيّ والشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشيخ الطوسيّ3 وأمثالهم، أبْعَدَهُم عن الطريق المستقيم.


وينقل الشيخ يوسف البحرانيّ وهو أخباريٌّ معتدلٌ عن السيّد نعمة الله الجزائريّ: "إنّ أكثر أصحابنا قد اتّبعوا جماعةً من المخالفين، من أهل الرأي والقياس، ومن أهل الطبيعة والفلاسفة وغيرهم من الذين اعتمدوا على العقول واستدلالاتها، وطرحوا ما جاء به الأنبياء عليهم السلام حيث لم يأتِ على وفق عقولهم..."4.


ووضع مؤسّس هذه الحركة كتابه المشهور: الفوائد المدنيّة، بلوَر فيه هذا الاتجاه، وبرهن عليه وجعله مذهباً فقهياً. وهو يؤكّد فيه أنّ العلوم البشرية على قسمين:


أحدهما: العلم الذي يستمدّ قضاياه من الحسّ، وقضاياه في زعمه تستمد خيوطها الأساسية من الحسّ.
والآخر: العلم الذي لا يقوم البحث فيه على أساس الحسّ، ولا يمكن إثبات نتائجه بالدليل الحسيّ، كبحوث ما وراء الطبيعة التي تدرس قضايا بعيدةً عن متناول الحسّ وحدوده، من قبيل تجرّد الروح، وبقاء النفس بعد البدن، وحدوث العالم.


وفي عقيدة المحدّث الاسترآبادي أن القسم الأوّل من العلوم البشريّة هو وحده الجدير بالثقة، لأنّه يعتمد على الحسّ، وأمّا القسم الثاني فلا قيمة له، ولا يمكن الوثوق بالعقل في النتائج التي يصل إليها في هذا القسم، لانقطاع صلته بالحسّ.


60


وهكذا يخرج الاسترآبادي من تحليله للمعرفة بجعل الحسّ معياراً أساساً لتمييز قيمة المعرفة، ومدى إمكان الوثوق بها.


ونحن في هذا الضوء نلاحظ بوضوحٍ اتجاهاً حسيّاً في أفكار المحدّث الاسترآباديّ، يميل به إلى المذهب الحسيّ في نظريّة المعرفة، القائل بأنّ الحسّ هو أساس المعرفة. ولأجل ذلك يمكننا أن نعتبر الحركة الأخباريّة في الفكر العلميّ الإسلامي أحد المسارب التي تسرّب منها الاتجاه الحسيّ إلى تراثنا الفكريّ.


وقد أدّت هذه الحركة ضدّ المعرفة العقليّة المنفصلة عن الحسّ- في نهاية المطاف- إلى المعارضة النظريّة لكلّ الأدلّة العقليّة، حتى تلك التي يستدلّ بها المؤمنون على وجود الله سبحانه، لأنّها تندرج في نطاق المعرفة العقليّة المنفصلة عن الحسّ.


فكانت الحركة الأخباريّة تستبطن في رأي كثيرٍ من ناقديها تناقضاً، لأنّها من ناحيةٍ شجبت العقل، لكي تخلّي ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعيّ، وظلّت من ناحيةٍ أخرى متمسّكةً به لإثبات عقائدها الدينيّة، لأنّ إثبات الصانع والدين لا يمكن أن يكون عن طريق البيان الشرعيّ، بل يجب أن يكون عن طريق العقل.


أهم آراء الأَخباريّين:


يمكن تلخيص دعوى الأخباريّين وآرائهم في النقاط التالية:


1- إنكار حجيّة ظهورات القرآن، فلا يمكن الاعتماد عليه، ودليلهُم: أنَّ القرآن لا يفهمُهُ إلا من خُوطِب به وهُم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام، فلا يمكن الاعتماد على الكتاب من دون مراجعة الروايات وما ورد عنهم عليهم السلام، فهم وحدهم القادرون على تفسيره وتأويله.


2- إنكار قيمة العقل، عمل الاسترآبادي جاهداً على إبطال حجيّة العقل، لأنّ


61


العقل كثيراً ما يخطئ فيها، فرفض أيّ قيمةٍ للفلسفة الأوّليّة والعلم الإلهيّ، لأنّه يعتمد على العقل، وحصر حجيّة العقل وقيمته في موردين:
الأول: العلوم الطبيعيّة ذات المبادئ والمقدمات الحسيّة.
الثاني: في ما يقرب من الأمور الحسيّة كعلوم الرياضيات والهندسة.


كما أنكر الاجتهاد أيضاً حتى بمعناه الجديد المقبول عند الشيعة قائلاً: إنّه بدعةٌ في الدين، ولا يجوز لأحدٍ أن يقلّد غير المعصوم.


3- إنكار الإجماع: لأنَّه بدعةٌ، جاء به أهل السُّنة. وبذلك فلا يسْلَم عند الأخباريّين من المصادر الأربعة للشريعة5 إلا السنّة وهي: الروايات والأخبار الواردة عن النبي وأهل بيته عليهم السلام.


4- كما أنّهم يعتقدون بصحَّة جميع الأخبار خصوصاً الواردة في الكتب الأربعة6، واعتبروها قطعيّة الصدور عن المعصوم عليه السلام، فرفضوا تقسيم الأخبار وتوثيق الرجال وتضعيفهم، لأنّ هذه الأبحاث كالقياس وغيره معتمدةٌ على العقل. ولذا هاجم الملا أمين العلامةَ الحلّي بعنفٍ لأنّه قسَّم الخبر إلى أقسامٍ أربعةٍ: الصحيح والحسن وموثوق الصدور والضعيف.


ب- المعنى الجديد للاجتهاد:


وقد بقي الاجتهاد يستعمل بمعنى إعمال الرأي الشخصيّ، إلى القرنين الرابع والخامس، ثمّ طرأ عليه التغيير في القرون المتأخرة، ولبس معناه حلّةً جديدةً جعلته مقبولاً عند علماء الشيعة، فصار كلمةً إسلاميّةً عامّةً ذات محتوى فكريٍّ عباديٍّ سياسيٍّ، حيث صار بمعنى: (بذل الجهد في استخراج الأحكام


62


الشرعية)7، فنرى الغزاليّ تارةً يستعمله بالمعنى القديم، وأخرى يطلق عليه معنىً عاماً جديداً، حيث يقول: (هو بذل الجهد واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال)8، إلى أن أصبح اللفظ في عرف العلماء مخصوصاً ببذل المجتهد وُسعَه في طلب العلم بأحكام الشريعة، عندها قَ-بِلَه علماء الشيعة وأخذ طريقه إلى الفقه الشيعيّ، لأنّه خرج عن معنى إعمال الرأي والقياس.


ولعلّ أوّل9 من قِبل الاجتهاد بهذا المعنى الجديد هو العلامة الحلّي10، في كتابه (تهذيب الأصول) حيث عقد في كتابه فصلاً للاجتهاد واستعمل الكلمة بمعناها الشائع اليوم.


وهو في عرف الفقهاء: "بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعيّة. وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلّة الشرع اجتهاداً، لأنها تبتنى على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر11 سواء كان ذلك الدليل قياساً أم غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد.


63


فإن قيل: يلزم على هذا أن يكون الإماميّة من أهل الاجتهاد.


قلنا: الأمر كذلك، لكن فيه إيهام، من حيث أن القياس من جملة الاجتهاد، فإذا استثني القياس كنّا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظريّة التي ليس أحدها القياس"12.


ويلاحظ على هذا النصّ بوضوحٍ، أنّ كلمة الاجتهاد كانت لا تزال في الذهنيّة الإماميّة مثقلةً بتبعة المصطلح الأوّل، ولهذا يلمح النصّ إلى أنّ هناك من يتحرّج من هذا الوصف، ويثقل عليه أن يسمى فقهاء الإماميّة مجتهدين.


الفرق الجوهريّ بين المصطلحين:


فبينما كان الاجتهاد مصدراً للفقيه يصدر عنه، ودليلاً يستدلّ به كما يصدر عن آيةٍ أو روايةٍ، أصبح في المصطلح الجديد يعبّر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعيّ من أدلّته ومصادره. فلم يعد مصدراً من مصادر الاستنباط، بل هو نفس عمليّة استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه. والفرق بين المعنيين جوهريٌّ للغاية، إذ كان للفقيه على أساس المصطلح الأوّل للاجتهاد أن يستنبط من تفكيره الشخصيّ وذوقه الخاصّ في حالة عدم توفّر النصّ، وأمّا على أساس المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرّر أيّ حكمٍ من الأحكام بالاجتهاد، لأنّه نفس عمليّة استنباط الأحكام من مصادرها.


وإذا قال الفقيه- بناءً على المصطلح الأوّل- هذا رأيي أو اجتهادي، فهو يبيّن مصدراً من مصادر التشريع، ولا يحق لأحدٍ الاعتراض عليه أو التحقّق منه. بينما لو قال- بناءً على المصطلح الثاني الجديد- هذا رأيي أو اجتهادي، فيمكن أن يسأل عن تلك المصادر والأدلّة التي استنبط الحكم منها.


64


ج- المصطلح الأخير للاجتهاد:


ثمّ تطوّر هذا المعنى لكلمة الاجتهاد أيضاً، واتسع نطاق الاجتهاد ليشمل عمليّة استنباط الحكم من ظاهر النصّ أيضاً، لأنّ الأصوليين بعد هذا لاحظوا بحقٍّ أنّ عمليّة استنباط الحكم من ظاهر النصّ تستبطن أيضاً كثيراً من الجهد العلميّ في سبيل معرفة الظهور وتحديده، وإثبات حجيّة الظهور العرفيّ، فدخل في الاجتهاد كلّ عمليّة يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العمليّ تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعيّ، أو على تعيين الموقف العمليّ مباشرةً. وهكذا أصبح الاجتهاد يرادف عمليّة الاستنباط، وبالتالي أصبح علم الأصول العلم الضروريّ للاجتهاد، لأنّه العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط. وبعد أن اتضحت معاني كلمة الاجتهاد أصبحت الإجابة على السؤال الذي طرح في بداية البحث واضحة جدّاً: "هل يجوز الاجتهاد في الشريعة أو لا؟"، وهي أنّ الاجتهاد بالمعنى الأوّل للكلمة لا يجوز من وجهة نظر مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهو ضروريّ بمعناه الأخير.


65


خلاصة الدرس
ظهرت الحركة الأخباريّة في القرن الحادي عشر الهجري، وهي اتجاهٌ متطرّفٌ يدعو إلى التَّ-ع-بُّد فقط بالبيان الشرعيّ من أخبارٍ وأحاديث، وينكر دور العقل في مختلف الميادين، لأنّ العقل عرضةٌ للخطأ، ويشن حملةً شديدةً ضدّ الاجتهاد أيضاً. وقد وجدت هذه الحركة داخل نطاق الفكر الإماميّ.


يمكن تلخيص دعوى الأخباريّين وآرائهم في النقاط التالية:
1- إنكار حجيّة ظهورات القرآن.
2- إنكار قيمة العقل.
3- إنكار الإجماع.
4- كما أنّهم يعتقدون بصحَّة جميع الأخبار خصوصاً الواردة في الكتب الأربعة.


ثمّ في القرون المتأخرة طرأ التغيير على مفهوم الاجتهاد، ولبس معناه حلّةً جديدةً جعلته مقبولاً عند علماء الشيعة، فصار كلمةً إسلاميّةً عامّةً ذات محتوى فكريٍّ عباديٍّ سياسيٍّ، حيث صار بمعنى: (بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعيّة).


والفرق الجوهري بين اجتهاد أصحاب مدرسة الرأي والإجتهاد الجديد هو: بينما كان الاجتهاد مصدراً للفقيه يصدر عنه، ودليلاً يستدلّ به كما يصدر عن آيةٍ أو روايةٍ، أصبح في المصطلح الجديد يعبّر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعيّ من أدلّته ومصادره. فلم يعد مصدراً من مصادر الاستنباط، بل هو نفس عمليّة استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه.


أسئلة الدرس
1- ما هي الحركة الأخباريّة وما هي أبرز آرائها؟
2- كيف تطوّر معنى الاجتهاد؟
3- ما هو الفارق الجوهري بين معنيي الاجتهاد؟
4- ما هو المعنى الأخير لكلمة الاجتهاد؟


هوامش
1- هو محمد أمين الأسترآبادي, من أعلام القرن الحادي عشر الهجريّ، فقيهٌ أخباريٌّ عرف بالذكاء والتقى، قال عنه البحرانيّ في اللؤلؤة: كان فاضلاً محقّقاً مدقّقاً ماهراً في الأصوليّين والحديث أخباريّاً صلباً، توفي(1034هـ). اللؤلؤة ص217. ويبدو أن الملا أمين كان ذكيّاً فطناً كثير المطالعة واعياً، وهذا الأمر مكّنه من تأسيس مدرسة وجلب أتباع لها، له كتاب (الفوائد المدنيّة)، ناقش فيه المتكلّمين والفلاسفة والحكماء والفقهاء، مدّعياً أنّه وصل إلى أمورٍ لم يسبقه إليها أحدٌ من الأوّلين والآخرين.
2- والحقّ أنّ هذه الحركة لم تكن في يوم من الأيام مدرسةً لها أتباع، غاية الأمر أنّ حضور الإمام عليه السلام بين القدماء وأهل الحديث، أو قربه من عصرهم، أغناهم عن اللجوء إلى الاِجتهاد وإعمال العقل، فاقتصروا على سرد الروايات أو الإفتاء بمضمون الرواية.
3- هؤلاء كلهم اتبعوا طرقاً جديدةً ومتطوّرةً في الاستدلال، تعتمد على تفريع الفروع عن الأصول وهي طريقة المجتهدين من علماء الشيعة.
4- البحراني ـ يوسف (ت: 1168 هـ): الحدائق الناضرة/ مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، قم ـ إيران/ ج ا ص 126.
5- الكتاب والسنّة والعقل والإجماع.
6- (الكافي للشيخ الكُلَيْني (329هـ)، التهذيب والإستبصار للشيخ الطوسي(460هـ)، من لا يحضره الفقيه للشيخ الصَّدُوق(381هـ) ).
7- الحلّي ـ جعفر بن سعيد (ت: 676 هـ): معارج الأصول/ تحقيق: محمد حسين الرضويّ/ منشورات مؤسسة آل البيت، قم ـ إيران، ط. الأولى 1403 هـ/ ص 179.
8- قال الغزالي: والاِجتهاد التام: أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد الطلب. الغزّالي (ت: 505 هـ): المستصفى/ تحقيق: محمّد عبد السلام عبد الشافيّ/ دار الكتب العلميّة، بيروت ـ لبنان، ط. 1996 م./ ص 342. وعرَّفه العلامة الحلي بأنه: استفراغ الوسع والنظر فيما هو من المسائل الظنية الشرعيّة على وجهٍ لا زيادة فيه./ مبادئ الوصول إلى علم الأصول ص240.
9- من خلال التحقيق تبيّن أنّ المحقق الحلي قد استعمل هذا المعنى قبل العلامة، ويعرف ذلك من ترجمة كلّ منهما فلاحظ الهامش، والذي يهوّن المسألة أنّهما متعاصران.
10- ( هو الحسن بن يوسف بن المطهر, وهو من أبرز علماء التشيّع، ومجدّد الفكر الشيعيّ في القرن الثامن الهجري (648 ـ 726) وله مؤلفات جمّة في الفقه والأصول والمنطق والعقائد وغيرها، وكان يفتي جميع المذاهب الإسلاميّة كلاًعلى مذهبه.
11- لقد حصر المحقق الحلّي الاجتهاد في نطاق عمليّات الاستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوص، فكل عمليّة استنباط لا تستند إلى ظواهر النصوص تسمى اجتهاداً، دون ما يستند إلى تلك الظواهر. ولعلّ الدافع إلى هذا التحديد أنّ استنباط الحكم من ظاهر النصّ ليس فيه كثير جهدٍ أو عناءٍ علميّ ليسمى اجتهاداً.
12- الحلّي ـ جعفر بن سعيد (ت: 676 هـ): معارج الأصول/ تحقيق: محمد حسين الرضويّ/ منشورات مؤسسة آل البيت قم ـ إيران، ط. الأولى 1403 هـ/ ص180. ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2920-الإجتهاد-الجديد-والحركة-الإخبارية
الإجتهاد ومدرسة الرأي http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2919-الإجتهاد-ومدرسة-الرأي&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 14:03:38 GMT الإجتهاد ومدرسة الرأي أهداف الدرس 1- أتعرّف إلى مدرسة الرأي. 2- أحدِّد موقف أهل البيت عليهم السلام من مدرسة الرأي. 3- أتعرّف إلى معنى... الإجتهاد ومدرسة الرأي
أهداف الدرس


1- أتعرّف إلى مدرسة الرأي.
2- أحدِّد موقف أهل البيت عليهم السلام من مدرسة الرأي.
3- أتعرّف إلى معنى الاجتهاد قديماً.


47


تمهيد:


إنّ الإنسان بحكم تبعيته للشريعة ووجوب امتثاله لأحكامها، ملزمٌ بتحديد موقفه العمليّ منها. وعندما لم تكن أحكام الشريعة في الغالب واضحةً بنحوٍ تغني فيه عن إقامة الدليل، فلا يعقل أن يحجر على الناس جميعاً تحديد الموقف العمليّ تجاه الشريعة تحديداً استدلاليّاً، فعملية استنباط الحكم الشرعيّ لتحديد الموقف العمليّ للمكلّف ليست عمليّةً جائزةً فحسب، بل هي ضروريّةٌ وينبغي ممارستها، وذلك بحكم تبعيّة الإنسان للشريعة.


ولكن اكتسبت هذه العمليّة صيغةً أخرى لا تخلو عن غموضٍ، فاستخدمت كلمة (الاجتهاد) للتعبير عن عمليّة الاستنباط، وطرح السؤال بهذه الصيغة: "هل يجوز الاجتهاد في الشريعة أو لا؟" فدخلت كلمة الاجتهاد في السؤال- وهي كلمةٌ مرّت بمصطلحاتٍ عديدةٍ في تاريخها- وأدّى ذلك إلى أن يتحمّل هذا السؤال المعاني والمصطلحات السابقة لهذه الكلمة. ونتيجة الفهم الخاطئ لبعض مصطلحاتها، والغفلة عن تطوّر الاصطلاح، رفض جماعةٌ من علمائنا المحدثين عمليّة الاجتهاد، وشجبوا علم الأصول كلّه، لأنّه إنما يراد لأجل الاجتهاد، فإذا ألغي الاجتهاد لم يعد هناك أيّ حاجةٍ إلى علم الأصول.


49


مدرسة الرأي


قامت منذ أواسط القرن الثاني مدرسةٌ فقهيّةٌ واسعة النطاق، تحمل اسم مدرسة الرأي والاجتهاد، وتطالب باتخاذ العقل- بالمعنى الواسع الذي يشمل الترجيح والظنّ والتقدير الشخصيّ للموقف - أداةً رئيسةً للإثبات إلى صفّ البيان الشرعيّ، ومصدراً للفقيه في الاستنباط، وأطلقت عليه اسم الاجتهاد. وكان على رأس هذه المدرسة أو من روّادها الأوّلين أبو حنيفة (المتوفي سنة 150هـ). والمأثور عن رجالات هذه المدرسة أنّهم كانوا حيث لا يجدون بياناً شرعيّاً يدلّ على الحكم يدرسون المسألة على ضوء أذواقهم الخاصّة، وما يدركون من مناسباتٍ وما يتفتق عنه تفكيرهم الخاصّ، من مرجّحات لهذا التشريع على ذاك، ويفتون بما يتّفق مع ظنّهم وترجيحهم، ويسمون ذلك استحساناً أو اجتهاداً.


وجاء في كلام لأبي حنيفة وهو يحدّد نهجه العام في الاستنباط: "إذا لم أجد في كتاب الله ولا في سنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أخذت بقول أصحابه، فإذا اختلفت آراؤهم في حكم الواقعة آخذُ بقول من شئت، وأدع من شئت، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم من التابعين1. فإذا انتهى الأمر أو جاء الأمر إلى إبراهيم والشعبيّ وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن جبير- وعدّد رجالاً- فقومٌ اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا"2.


والفكرة الأساس التي دعت إلى قيام هذه المدرسة، متبنية ً العقل بنطاقه الواسع وسيلةً رئيسةً للإثبات، ومصدراً لاستنباط الحكم، هي الفكرة


50


الشائعة في صفوف تلك المدرسة القائلة: "إنّ البيان الشرعيّ المتمثّل في الكتاب والسنّة قاصرٌ، ولا يشتمل إلا على أحكام قضايا محدودة، ولا يتّسع لتعيين الحكم الشرعيّ في كثيرٍ من القضايا والمسائل لكثرتها وتجدّدها"3.


وقد ساعد على شيوع هذه الفكرة في صفوف فقهاء العامّة اتجاههم المذهبيّ السنيّ، إذ كانوا يعتقدون أنّ البيان الشرعيّ يتمثّل فقط في الكتاب والسنّة النبويّة المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وحيث لم يكن هذا يفي إلا بجزءٍ من حاجات الاستنباط، اتجهوا إلى علاج الموقف وإشباع هذه الحاجات عن طريق توسعة دور العقل والمناداة بمبدأ الاجتهاد.


أ- المعنى الأوّل للاجتهاد:


وهذا هو المعنى الأوّل للاجتهاد، حيث فسّر بأنّ للفقيه الحقّ في إعمال ذوقه ورأيه، في كلّ ما يراه قريباً من العدل والحقّ ويحكم به. ولذا صار الاجتهاد عندهم من مصادر التشريع، فعدّوها أربعة: الكتاب والسنّة والإجماع و الاجتهاد (القياس) الذي يُرجَعُ إليه مع عدم وجود الحكم في المصادر السابقة.


ولذلك نجد أتباع مدرسة الخلفاء يرْوُون رواياتٍ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تجيز الاجتهاد، كرواية معاذ بن جبل عندما أرسله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن قال له: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاءٌ؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فإن لم تجد في سنّة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على صدره وقال:


51


الحمد لله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله لما يرضى به رسول الله)4، وما ورد من أنّه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بعض أصحابه أن يجتهدوا إذا لم يجدوا الحكم في الكتاب أو السنّة، بل يقولون إن بعض أحكام النبيّ نفسها اجتهاديّة لم تستند إلى وحيٍ، ثم جاء في كتبهم الأصوليّة التساؤل عمّا إذا كان في اجتهادات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما يجوز فيه الخطأ أم لا ؟5


فالفقيه عندما لا يجد نصّاً شرعيّاً من القرآن أو السنّة يعتمد عليه، يرجع إلى تفكيره الخاصّ، فيبني على ما يرجح في فكره الشخصيّ من تشريعٍ، وقد يعبّر عنه بالرأي أيضاً.


فالاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلاً من أدلّة الفقيه، ومصدراً ثالثاً من مصادره.


وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرةٌ في الفقه السنيّ، على رأسها مدرسة أبي حنيفة.


موقف مدرسة أهل البيت عليهم السلام:


وقد واجه هذا الاتجاه وهذا المعنى للاجتهاد معارضةً شديدةً من أئمة أهل البيت عليهم السلام. والروايات الواردة عنهم عليهم السلام والتي تذمّ الاجتهاد، تريد هذا المعنى، وهو التفكير الشخصيّ الذي يكون مصدراً من مصادر الحكم، وكذلك الحال بالنسبة للفقهاء المنتسبين لمدرستهم عليهم السلام، فقد شنّوا حملةً كبيرةً وصنّفوا كتباً في الردّ على الاجتهاد بهذا المعنى كالشيخ الطوسيّ مثلاً،6


52


وخاضوا معركةً خطرةً ضدّ هذا الاتجاه العقليّ المتطرّف. ولم تكن معركةً ضدّ اتجاهٍ أصوليٍّ فحسب، بل هي في حقيقتها معركةٌ للدفاع عن الشريعة وتأكيد كمالها واستيعابها وشمولها لمختلف مجالات الحياة، ولهذا استفاضت الأحاديث عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام في عصر تلك المعركة تؤكّد اشتمال الشريعة على كلّ ما تحتاج إليه الإنسانيّة من أحكام وتنظيم في شتّى مناحي حياتها، وتؤكّد أيضاً وجود البيان الشرعيّ الكافي لكلّ تلك الأحكام، متمثّلاً في الكتاب والسنّة النبويّة وأقوالهم عليهم السلام.


1- عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إنّ الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيءٍ، حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، إلا وقد أنزله الله فيه"7.
2- عنه عليه السلام أيضاً أنّه قال: "ما من شيءٍ إلا وفيه كتابٌ أو سنّةٌ"8.
3- وفي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام يصف فيه الجامعة التي تضمّ أحكام الشريعة، فيقول: "فيها كلّ حلالٍ وحرامٍ وكلّ شيءٍ يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش"9.


وبعد هذه الحملة الكبيرة من الأئمة عليهم السلام والفقهاء من مدرستهم، على اتجاه مدرسة الرأي، وتفسير الاجتهاد بهذا المعنى، اكتسبت الكلمة طابعاً من الكراهيّة والاشمئزاز في الذهنيّة الفقهية الإماميّة. وعلى هذا الضوء يمكننا


53


أن نفسّر موقف جماعة من المحدّثين، عارضوا الاجتهاد وبالتالي شجبوا علم الأصول. فإنّ هؤلاء استفزّتهم كلمة الاجتهاد لما تحمل من تراث المصطلح السنّيّ الذي شجبه أهل البيت عليهم السلام، فحرّموا الاجتهاد مطلقاً حتى ذاك الذي حمل المجتهدون من فقهائنا رايته، واستدلّوا على ذلك بموقف الأئمة عليهم السلام ومدرستهم الفقهيّة ضدّ الاجتهاد، وهم لا يعلمون أنّ ذلك الموقف كان ضدّ المعنى السنّيّ للاجتهاد، والفقهاء من الأصحاب قالوا بمعنى آخر للكلمة.


54


خلا صة الدرس
قامت منذ أواسط القرن الثاني مدرسةٌ فقهيّةٌ واسعة النطاق، تحمل اسم مدرسة الرأي والاجتهاد، وتطالب باتخاذ العقل- بالمعنى الواسع الذي يشمل الترجيح والظنّ والتقدير الشخصيّ للموقف - أداةً رئيسةً للإثبات إلى صفّ البيان الشرعيّ، ومصدراً للفقيه في الاستنباط، وأطلقت عليه اسم الاجتهاد. وكان على رأس هذه المدرسة أو من روّادها الأوّلين أبو حنيفة. والمأثور عن رجالات هذه المدرسة، أنّهم كانوا حيث لا يجدون بياناً شرعيّاً يدلّ على الحكم يدرسون المسألة على ضوء أذواقهم الخاصّة، وهذا هو المعنى الأوّل للاجتهاد، حيث فسّر بأنّ للفقيه الحقّ في إعمال ذوقه ورأيه.


وقد واجه هذا الاتجاه وهذا المعنى للاجتهاد معارضةً شديدةً من أئمّة أهل البيت عليهم السلام. والروايات الواردة عنهم عليهم السلام والتي تذمّ الاجتهاد، تريد هذا المعنى.


أسئلة الدرس
1- ما هي مدرسة الرأي؟ وما هي أبرز سماتها؟
2- كيف واجه أهل البيت وأتباعهم هذه المدرسة؟


هوامش
1- يعقوب ـ أحمد حسين: مساحة للحوار/ منشورات الغدير للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، ط. الأولى 1997م. ص 162.
2- يحيى بن معين(ت: 233 هـ): تاريخ ابن معين الدوريّ/ تحقيق: عبد الله أحمد حسن/ دار القلم للمطبوعات والنشر، بيروت ـ لبنان/ ج 2 ص 51. وابن عبد البرّ(ت: 463 هـ): الإنتقاء فيفضائل الثلاثة الأئمّة الفقهاء/ دار الكتب العلميّة، بيروت ـ لبنان. ص 143.
3- راجع الغزّالي (ت: 505 هـ): المنخول في علم الأصول/ تحقيق د. محمد حسن هيتو/ منشورات دار الفكر، دمشق ـ سوريا/ ط. الثالثة 1419 هـ ص 596.
4- راجع مسند أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ)/ دار صادر، بيروت ـ لبنان/ ج 5 ص 242. وعبد الله بن بهرام الدارميّ (ت: 255 هـ): سنن الدارميّ/ مطبعة الاعتدال، دمشق ـ سوريا/ ط. 1349 هـ. ج 1 ص 60. وابن الأشعث السجستاني (ت: 275 هـ): سنن أبي داوود/ تحقيق سعيد محمّد اللحام/ دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، ط. الأولى 1990 م. ج 2 ص 162.
5- لا يكاد يخلو كتاب أصولي من كتب العامة عن هكذا تساؤلات.
6- (الطوسي محمد بن الحسن شيخ الطائفة الشيعية ومجددها في القرن الخامس، توفي عام460 هـ، قدم خدمات جليلة للتشيع، وواجه التيارات الأخرى، ومن أبرز كتبه التهذيب والإستبصار، وله كتاب عدة الأصول فنّد فيه الاِجتهاد بمعناه القديم، وأفرد أبواباً خاصة لذلك كباب القياس وباب الاِجتهاد وله كتب استدلالية ضخمة ككتابي الخلاف والمبسوط وكتب في الرجال والعقائد وغيرها.
7- الكليني: (ت: 329 هـ): الكافي/ تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران ـ إيران، ط. الثالثة 1363 هـ ش. باب: الردّ على الكتاب والسنّة، الحديث الأوّل. ج 1 ص 59.
8- الكليني: (ت: 329 هـ): الكافي/ تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران ـ إيران، ط. الثالثة 1363 هـ ش. باب: الردّ على الكتاب والسنّة، الحديث الرابع. ج 1 ص 60.
9- الكليني: (ت: 329 هـ): الكافي/ تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران ـ إيران، ط. الثالثة 1363 هـ ش. باب: فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة (عليها السلام)، الحديث الأوّل. ج 1 ص 238. ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2919-الإجتهاد-ومدرسة-الرأي
مصادر التشريع (الإدراك العقلي) http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2918-مصادر-التشريع-(الإدراك-العقلي)&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 14:02:50 GMT مصادر التشريع (الإدراك العقلي) أهداف الدرس 1- أتعرّف إلى الإدراك العقلي. 2- أتبين الخلاف في الإدراك العقلي. 39 مصادر التشريع (الإدراك العقلي)
أهداف الدرس


1- أتعرّف إلى الإدراك العقلي.
2- أتبين الخلاف في الإدراك العقلي.


39


الوسيلة الثانية، الإدراك العقليّ:


الكلام في الإدراك العقليّ، فهو يعدّ الوسيلة الرئيسة الثانية التي تستخدم في بحوث علم الأصول لإثبات العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط، إذ قد يكون العنصر المشترك في عمليّة الاستنباط ممّا ندركه بعقولنا، من دون حاجةٍ إلى بيانٍ شرعيٍّ لإثباته، من قبيل القانون القائل: "إنّ الفعل لا يمكن أن يكون حراماً وواجباً في وقتٍ واحدٍ"، أو القاعدة القائلة: "إذا وجب شيءٌ وجبت مقدمته"، حيث لا نحتاج في إثبات هذين القانونين إلى بيانٍ شرعيٍّ يشتمل على صيَغٍ من هذا القبيل، بل هما ثابتان عن طريق العقل، لأنّ العقل يدرك أنّ الوجوب والحرمة صفتان متضادّتان، والشيء الواحد لا يمكن أن يشتمل على صفتين متضادّتين، فكما لا يمكن أن يتّصف الجسم بالحركة والسكون في وقتٍ واحدٍ، كذلك لا يمكن أن يتّصف الفعل بالوجوب والحرمة معاً، كذلك يدرك أنّه إذا وجب شيءٌ بحكم الشرع، فيجب بحكم العقل على المكلّف أن يهيّئ جميع مقدّماته، فوجوب المقدّمة ثابتٌ بحكم العقل، من دون حاجةٍ لبيانٍ شرعيٍّ لإثباته.


41


الخلاف في الإدراك العقليّ:


وقد وقع الخلاف الحادّ بين المسلمين حول اعتبار العقل مصدراً من مصادر التشريع الإسلاميّ، وهو خلافٌ لعلّه أكثر خطورةً من الخلاف الحاصل في الإجماع، حيث إن للعقل درجاتٍ مختلفةً:


أ- الإدراك الكامل القطعيّ: وهو أن يدرك العقل حقيقةً من الحقائق إدراكاً لا يُحتمل فيه الخطأ والاشتباه أبداً، كإدراكه أنّ زوايا المثلث تساوي قائمتين، وأنّ الضدّين لا يجتمعان، وأنّ الأرض كرويةٌ، وأنّ الماء يكتسب الحرارة من النار إذا قرّب منها.


ب- الإدراك العقليّ الناقص: وهو ميل العقل نحو ترجيح شيءٍ دون الجزم به، لاحتمال الخطأ، كإدراكنا أنّ الجواد الذي سبق في مناوراتٍ سابقةٍ سوف يسبق في المرّة القادمة أيضاً، وأنّ الدواء الذي نجح في علاج أمراضٍ معيّنةٍ سوف ينجح في علاج أعراضٍ مرَضيّة مشابهةٍ، وأنّ الفعل المشابه للحرام في أكثر خصائصه يشاركه في الحرمة.


والسؤال الأساس في هذا البحث والذي يتمحور حوله الخلاف بين المدارس الإسلاميّة هو: ما هي حدود العقل أو الإدراك العقليّ الذي يقوم بدور الوسيلة الرئيسة لإثبات العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط؟ فهل يمكن استخدام الإدراك العقليّ كوسيلةٍ للإثبات مهما كانت درجته؟ أو لا يجوز استخدام الإدراك العقليّ كوسيلةٍ للإثبات إلا ضمن حدود معيّنةٍ؟


وقد اختلفت الاتجاهات حول مدى شمول العقل وحدوده- بوصفه وسيلةَ إثباتٍ رئيسةٍ- فهل يشمل الإدراكات الناقصة التي تؤدّي إلى مجرّد الترجيح؟ أو أنّه يختصّ بالإدراك الكامل المنتج للجزم واليقين؟1


42


الاتجاهات المتعارضة في الإدراك العقلي:


وبعد أن تعرّضنا للإدراك العقليّ، نلفت النظر إلى أنّ أهمّ من عارضه من مدرسة أهل البيت عليهم السلام هم الأخباريّون، حتى صارت معارضتهم للعقل سمةً بارزةً لحركتهم. ولذلك من الجدير أن نتعرّض لهذه الحركة التي كان لها الدور البارز في تفعيل عجلة الأصول، من خلال محاربتها لدور لعقل وبالتالي للاجتهاد. ولتوضيح هذه الحركة جيّداً نذكر الاتجاهات التي طرحت في مجال الإدراك العقليّ.


فإنّ تاريخ التفكير الفقهيّ قد شهد بالنسبة للإدراك العقليّ اتجاهين متعارضين كلّ التعارض، و واتجاهاً ثالثاً وسطياً بينهما:


الاتجاه الأوّل، مدرسة الرأي: يدعو إلى اتخاذ العقل في نطاقه الواسع الذي يشمل حتى الإدراكات الناقصة، وسيلةً رئيسةً للإثبات، وفي مختلف المجالات التي يمارسها الأصوليّ والفقيه.


الاتجاه الثاني، الحركة الأخباريّة: يشجب العقل ويجرّده إطلاقاً عن وصفه وسيلةً رئيسةً للإثبات، ويعتبر البيان الشرعيّ هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن استخدامها في عمليّات الاستنباط.


الاتجاه الثالث، الأصوليّون: وهو اتجاهٌ معتدلٌ يقف بين هذين الاتجاهين المتطرّفين، يتمثّل في جلّ فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام. وهو الاتجاه الذي يؤمن- خلافاً للاتجاه الثاني- بأنّ العقل أو الإدراك العقليّ وسيلةٌ رئيسةٌ صالحةٌ للإثبات إلى صفّ البيان الشرعيّ، ولكن لا في نطاقه الواسع- كما زعمه الاتجاه الأوّل- بل ضمن نطاق الإدراك العقليّ الكامل الذي يوصل إلى الجزم، ولا يوجد في مقابله احتمال الخطأ. فكلّ إدراكٍ


43


عقليٍّ يدخل ضمن هذا النطاق ويستبطن الجزم الكامل فهو وسيلة إثباتٍ. وأمّا الإدراك العقليّ الناقص الذي يقوم على أساس الترجيح، ولا يتوفّر فيه عنصر الجزم، فلا يصلح وسيلة إثباتٍ لأيّ عنصرٍ من عناصر عمليّة الاستنباط.


فالعقل في رأي الاتجاه الثالث أداةٌ صالحةٌ للمعرفة، وجديرةٌ بالاعتماد عليها والإثبات بها، فيما لو أدّت إلى إدراك حقيقةٍ من الحقائق إدراكاً كاملاً لا يشوبه أيّ شكٍّ. فلا إفراط في الاعتماد على العقل حتى فيما لا ينتج عنه إدراكٌ كاملٌ وجزمٌ، ولا كفران بالعقل كأداةٍ للمعرفة.


وقد تطلّب هذا الاتجاه المعتدل الذي مثّله جلّ فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن يخوضوا معركةً في جبهتين: إحداهما ضدّ أنصار الاتجاه الأوّل، الذي كانت مدرسة الرأي في الفقه تتبنّاه بقيادة جماعةٍ من أقطاب علماء العامّة، والأخرى معركةٌ ضدّ الاتجاه الثاني الذي شكّل حركةً داخليّةً نشأت داخل صفوف الفقهاء الإماميّين، متمثّلة في المحدّثين والأخباريّين من علماء الشيعة، الذين شجبوا العقل، وادعوا أنّ البيان الشرعيّ هو الوسيلة الوحيدة التي يجوز استخدامها للإثبات. وهكذا نعرف أنّ المعركة الأوّلى كانت ضدّ استغلال العقل، وضدّ الاجتهاد بمعنى القياس والرأي، والأخرى كانت إلى صفّ العقل، وضدّ الأخباريّة الحركة التي حاربت العقل بالمطلق. وهذا ما سنطّلع عليه في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى.


44


خلا صة الدرس
الكلام في الإدراك العقليّ، من قبيل القانون القائل: "إذا وجب شيءٌ وجبت مقدمته". وقد وقع الخلاف الحادّ أيضاً بين المسلمين حول اعتبار العقل مصدراً من مصادر التشريع الإسلاميّ. وهو خلافٌ لعلّه أكثر خطورةً من الخلاف الحاصل في الإجماع، حيث إن للعقل درجاتٍ مختلفةً:
أ- الإدراك الكامل القطعيّ.
ب- الإدراك العقليّ الناقص.


فما هي حدود العقل أو الإدراك العقليّ الذي يقوم بدور الوسيلة الرئيسة لإثبات العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط؟


وقد اختلفت الاتجاهات حول مدى شمول العقل وحدوده، فهل يشمل الإدراكات الناقصة التي تؤدّي إلى مجرّد الترجيح؟ أو أنّه يختصّ بالإدراك الكامل المنتج للجزم واليقين؟


إنّ تاريخ التفكير الفقهيّ قد شهد بالنسبة للإدراك العقليّ اتجاهين متعارضين كلّ التعارض، و واتجاهاً ثالثاً وسطياً بينهما:
الاتجاه الأوّل، مدرسة الرأي.
الاتجاه الثاني، الحركة الأخباريّة.
الاتجاه الثالث، الأصوليّون.


أسئلة الدرس
1- ما هو الإدراك العقلي؟
2- ما هي تقسيمات الإدراك العقلي؟
3- ما هي الاتجاهات في الإدراك العقليّ؟
4- تحدث عن اتجاهٍ واحد من اتجاهات الإدراك العقلي؟


هوامش
1- أمّا الأخباريّون فلا يرون أيّ حجيّةٍ للعقل، بكلّ درجاته، وذلك لأنّ العقل من الممكن أن يخطئ في أحكامه، ودين الله لا يصاب بالعقول. ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2918-مصادر-التشريع-(الإدراك-العقلي)
مصادر التشريع (البيان الشرعي والإجماع) http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2917-مصادر-التشريع-(البيان-الشرعي-والإجماع)&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 14:01:53 GMT مصادر التشريع (البيان الشرعي والإجماع) أهداف الدرس 1- أتعرف إلى البيان الشرعي. 2- أتبيّن الخلاف في السنّة النبويّة. 3- أتعرّف إلى الإجماع. ... مصادر التشريع (البيان الشرعي والإجماع)
أهداف الدرس


1- أتعرف إلى البيان الشرعي.
2- أتبيّن الخلاف في السنّة النبويّة.
3- أتعرّف إلى الإجماع.


29


تمهيد:


تقدّم أنّ عمليّة الاستنباط تتألّف من عناصر مشتركة وعناصر خاصة، وأنّ علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة في علميّة الاستنباط، حيث تُدرس فيه هذه العناصر وتحدّد وتنظم. وما دام علم الأصول هو العلم الذي يتكفّل بدراسة تلك العناصر فمن الطبيعيّ أن يبرز هذا السؤال:


ما هي وسائل الإثبات التي يستخدمها علم الأصول، لكي يثبت بها حجيّة الخبر أو حجيّة الظهور العرفيّ، أو غير ذلك من العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط؟ وبعبارةٍ أخرى، ما هي الأدوات وما هي المصادر التي يعتمد عليها الأصوليّ لإثبات القواعد العامّة والمشتركة في عمليّة الاستنباط؟


وسائل الإثبات أو مصادر التشريع:


يستخدم علم الأصول وسيلتين رئيستين، وهما:


1- البيان الشرعيّ (الكتاب والسنّة).
2- الإدراك العقليّ.


ولا يمكن لأيّ قاعدةٍ أن تكتسب صفة العنصر المشترك في عمليّة الاستنباط، ما لم يمكن إثباتها بإحدى هاتين الوسيلتين الرئيستين، فإذا حاول الأصوليّ


31


مثلاً أن يدرس حجيّة الخبر لكي يدخله في عمليّة الاستنباط- إذا كان حجّة- يطرح على نفسه السؤال التالي: هل يمكن إثبات هذا العنصر المشترك ببيانٍ شرعيٍّ أو بإدراكٍ عقليٍّ؟ وبعبارةٍ أخرى، هل يوجد بيانٌ شرعي أو عقليّ يدلّ على حجيّة الخبر؟


ويحاول الأصوليّ الإجابة على هذا السؤال وفقاً للمستوى الذي يتمتّع به من الدقّة والانتباه، فإذا لم يجد وسيلةً شرعيّةً ولا عقليّة يثبت بها حجيّة الخبر، فهذا يعني أنّه استبعد الخبر عن نطاق الاستنباط، حيث لم يثبت أنّه عنصرٌ مشتركٌ. وأمّا إذا وجد وسيلةً واستطاع إثبات حجيّة الخبر ببيانٍ شرعيٍّ أو عقليٍّ، فهذا يعني دخولها في عمليّة الاستنباط بوصفها عنصراً أصوليّاً مشتركاً.


والمتتبّع للعناصر المشتركة والقواعد الأصوليّة يجد أنّ بعضها قد تمّ إثباته بوسيلة البيان الشرعيّ، من قبيل حجيّة الخبر، وحجية الظهور العرفيّ، وبعضاً آخر قد أُثبت بالإدراك العقليّ، من قبيل القانون القائل: "إن الفعل لا يمكن أن يكون واجباً وحراماً في وقتٍ واحدٍ".


الوسيلة الأوّلى، البيان الشرعيّ:


البيان الشرعيّ هو إحدى الوسيلتين الرئيستين لإثبات العناصر التي تساهم في عمليّة الاستنباط. ونقصد بالبيان الشرعيّ ما يلي:


1- الكتاب الكريم: وهو القرآن الذي أنزل بمعناه ولفظه على سبيل الإعجاز وحياً على أشرف المرسلين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. ولا تنحصر الآيات القرآنيّة بالأحكام الشرعيّة، بل تطرّق القرآن الكريم إلى مئاتٍ من المواضيع المتنوّعة والمختلفة. وقد أحصى العلماء الآيات القرآنيّة الخاصّة بالأحكام فبلغت خمسمائة آيةٍ تقريباً، اشتهرت بآيات الأحكام. وقد صنّف العلماء كتباً عديدةً حول هذه الآيات، أشهرها كتاب (كنز العرفان) للفاضل المقداد السيوريّ المتوفي سنة 826 هـ.


32


وكتاب (زبدة البيان في تفسيرآيات الأحكام) للمقدّس الأردبيليّ المتوفي سنة 993 ه-، كما صنّف علماء السنّة كتباً حول هذه الآيات أيضاً.


والقرآن الكريم يعتبر المصدر الأساس للأحكام الشرعيّة، وللقواعد العامّة والعناصر المشتركة التي يتمسّك بها الأصوليّ والفقيه في عمليّة الاستنباط، عند جميع المسلمين، ما عدا فرقةٍ واحدةٍ عُرفت بالأخباريّين، فإنّها لم تجِز رجوع عامّة الناس إلى القرآن الكريم1، ويأتي الحديث عنهم إن شاء الله.


2- السنّة: وهي كلّ بيانٍ صادرٍ من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد الأئمّة المعصومين عليهم السلام. والبيان الصادر عنهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:


أ- قول المعصوم: وهو الكلام الذي يتكلّم به المعصوم عليه السلام.
ب- فعل المعصوم: وهو كلّ فعلٍ يصدر عن المعصوم عليه السلام.
ج- تقرير المعصوم: وهو سكوته عليه السلام عن وضعٍ معيّنٍ، بنحوٍ يكشف عن رضاه بذلك الوضع وانسجامه مع الشريعة.


ويجب الأخذ بكلّ هذه الأنواع من البيان الشرعيّ. وإذا دلّ شيءٌ منها على عنصرٍ مشتركٍ من عناصر عمليّة الاستنباط، ثبت ذلك العنصر المشترك واكتسب طابعه الشرعيّ.


الخلاف في السنّة:


لم يقع أيّ خلافٍ في حجيّة السنّة النبويّة، قولاً وفعلاً وتقريراً، وإنّما وقع الخلاف بين مدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت عليهم السلام في السنّة المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام، حيث ذهب أتباع هذه المدرسة للتمسّك بالسنّة المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام أيضاً، مستندين في ذلك إلى بعض الآيات القرآنيّة، والأحاديث


33


عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم المتواترة من الطرفين، منها قوله: " إنّي تاركٌ فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً"2.


كما أنّ السنّة المرويّة عن المعصوم عليه السلام على نحوين:


قطعيّة وظنيّة، أما القطعيّة فلم يقع فيها خلافٌ، وإنما الخلاف وقع في السنّة الظنيّة. وقد اصطلح على هذا النحو الأخير من السنّة بالخبر الواحد. ووقع خلافٌ في أنّه هل يجوز الاعتماد على السنّة الظنيّة؟ وبعبارةٍ أخرى هل أخبار الآحاد حجّة؟ وبمجرّد القول بصحّة الاعتماد على هذه الأخبار، تطرح أسئلةٌ كثيرةٌ، من قبيل إلى أيّ مدى يصحّ الاعتماد عليها؟ فهل يعتمد على الحديث الصحيح فقط، أو الموثق أيضاً، أو الضعيف كذلك؟ ومن هنا يفتح باب علم الرجال على مصراعيه لدراسة ومعرفة أحوال الرجال، الواقعين في سلسلة سند الحديث، ومعرفة العادل منهم، والثقة، والضعيف، وغير ذلك3.


الإجماع:


وهو يعني اتفاق آراء علماء المسلمين على مسألةٍ، فهل يمكن أن يعتبر الإجماع- بهذا المعنى- وسيلة إثباتٍ للعناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط؟ وهل يمكن أن يعتبر أيضاً مدركاً ومصدراً للأحكام الشرعيّة؟


والخلاف في الإجماع كان شديداً للغاية، حيث ترى مدرسة الخلفاء أصالةً للإجماع بما هو إجماعٌ، لأنّ اتفاق أهل الحلّ والعقد على مسألةٍ، يعني أنّهم قد أصابوا الصواب، ولا يمكن لهم جميعاً الخطأ. نعم لو لم يكن هناك إجماعٌ


34


فإمكان الخطأ واردٌ بحقّ البعض، وأمّا لو اتفق جميع علماء المسلمين فلا يتصوّر في حقّهم جميعاً الخطأ، لذلك تتعامل هذه المدرسة مع الإجماع معاملة الوحي المنزل، وكأنّ حكم المجمعين هو حكم الله الذي لا يقبل الخطأ.


بينما مدرسة أهل البيت عليهم السلام، لا ترى للإجماع- بنفسه أيّ بما هو إجماعٌ- أيّ أصالةٍ واعتبارٍ وأهميّةٍ. نعم لقد اعتبروا الإجماعَ حجّةً، ويمكن الاعتماد عليه، اتفاقهم هذا يكشف عن تلقّيهم للمسألة المتّفق عليها من قبل المعصوم عليه السلام، فلا خصوصيّة للإجماع بما هو إجماع، وإنّما العبرة برأي المعصوم عليه السلام الذي يكشف عنه الإجماع، وبعبارةٍ أخرى، يمكن القول: إنّ الإجماع يكشف مضمون روايةٍ عن المعصوم عليه السلام غير مكتوبةٍ، ولكن قد مارسها المسلمون عمليّاً، فهي موجودةٌ في سلوكهم، ومُعاشةٌ في تصرّفهم.


ففي كلا المدرستين يعتبر الإجماع حجّةً، لكنّ الفارق بينهما جوهريٌّ، فمدرسة الخلفاء تقول إنّ الإجماع أصالةً هو الحجّة، وأمّا مدرسة أهل البيت عليهم السلام فتقول: إنّ الإجماع أصالةً ليس حجّةً، وإنّما هو حجّةٌ لكاشفيّته عن رأي المعصوم4 عليه السلام.


35


خلاصة الدرس
يستخدم علم الأصول وسيلتين رئيستين، وهما:


1- البيان الشرعيّ (الكتاب والسنّة).
2- الإدراك العقليّ.


ولا يمكن لأيّ قاعدةٍ أن تكتسب صفة العنصر المشترك في عمليّة الاستنباط، ما لم يمكن إثباتها بإحدى هاتين الوسيلتين الرئيستين.
ونقصد بالبيان الشرعيّ ما يلي:


1- الكتاب الكريم.


2- السنّة: وهي كلّ بيانٍ صادرٍ عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد الأئمّة المعصومين عليهم السلام. والبيان الصادر عنهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ- قول المعصوم.
ب- فعل المعصوم.
ج- تقرير المعصوم.


لم يقع أيّ خلافٍ في حجيّة السنّة النبويّة، قولاً وفعلاً وتقريراً، وإنّما وقع الخلاف في السنّة المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام.


كما أنّ السنّة المرويّة عن المعصوم عليه السلام على نحوين:
قطعيّة وظنيّة، أما القطعيّة فلم يقع فيها خلافٌ، وإنما الخلاف وقع في السنّة الظنيّة. وقد اصطلح على هذا النحو الأخير من السنّة بالخبر الواحد.


وأمّا الإجماع فهو يعني اتفاق آراء علماء المسلمين على مسألةٍ. والخلاف فيه كان شديداً للغاية، حيث ترى مدرسة الخلفاء أصالةً للإجماع بما هو إجماعٌ، بينما تعتبر مدرسة أهل البيت عليهم السلام الإجماعَ حجّةً، لأنّ اتفاق علماء المسلمين على مسألةٍ يكشف عن تلقّيهم للمسألة المتّفق عليها من قبل الشارع، فلا خصوصيّة للإجماع بما هو إجماع.


أسئلة الدرس
1- ما هي وسائل الإثبات التي يعتمد عليها الأصوليّ؟
2- ما المقصود بالسنة؟ وما هي السنة التي وقع الخلاف في حجيّتها؟
3- ماذا اصطلح على السنّة الظنيّة؟
4- تحدّث عن الإجماع والخلاف فيه بين المدرستين.


هوامش
1- يقول الأخباريّون بأنّه لا يجوز لعامّة الناس الرجوع إلى ظواهر القرآن؛ لأنّه لا يفهمه إلا من خوطب به وهو المعصوم عليه السلام ، وعلى عامّة الناس أن يرجعوا إلى الأخبار والأحاديث الواردة عن المعصوم عليه السلام فقط.
2- راجع: مسند أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ)/ دار صادر، بيروت ـ لبنان/ ج3 ص 14 و 17. وج 4 ص 371. وج 5 ص 182 و 189. عبد الله بن بهرام الدارميّ (ت: 255 هـ): سنن الدارميّ/ مطبعة الاعتدال، دمشق ـ سوريا/ ط. 1349 هـ/ ج 2 ص 432.ومسلم النيسابوري: ( ت: 261): صحيح مسلم/ دار الفكر، بيروت ـ لبنان، ج 7 ص 123.
3- وأمّا الأخباريّون: فلأجل أنّ كلّ اعتمادهم على الحديث والروايات لم يرق لهم تقسيم الحديث إلى صحيحٍ وضعيفٍ وموثّقٍ، بل اعتبروا أنّ جميع الأحاديث معتبرةٌ، لا سيما الموجودة في الكتب الأربعة: (الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار).
4- وأمّا الأخباريّون فلم يعتبروا الإجماع من مصادر التشريع، ولم يعوّلوا عليه، ورفضوا الاعتماد عليه؛ لأنّه من مبتدعات أبناء العامّة. ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2917-مصادر-التشريع-(البيان-الشرعي-والإجماع)
علم الأصول موضوعه، أهميته، علاقته بالعفّة http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2916-علم-الأصول-موضوعه،-أهميته،-علاقته-بالعفّة&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 14:01:08 GMT علم الأصول موضوعه، أهميته، علاقته بالعفّة أهداف الدرس 1- مصادر التشريع. 2- الاتجاهات حول الإدراك العقليّ 21 علم الأصول موضوعه، أهميته، علاقته بالعفّة
أهداف الدرس


1- مصادر التشريع.
2- الاتجاهات حول الإدراك العقليّ


21


1- موضوع علم الأصول


يذكر- عادةً- أنّ لكلّ علمٍ موضوعاً ترتكز عليه جميع بحوث هذا العلم، وتدور حوله مسائله، وتستهدف الكشف عما يرتبط بذلك الموضوع من خصائص وحالاتٍ وقوانين. فالفيزياء مثلاً موضوعها الطبيعة. وبحوث الفيزياء ترتبط كلّها بالطبيعة، وتحاول الكشف عن حالاتها وقوانينها العامة. وموضوع النحو الكلمة، لأنه يبحث عن حالات بنائها وإعرابها من رفعٍ أو نصبٍ أو جزمٍ أو جرٍّ. وعلم الطبّ موضوعه جسم الإنسان، لأنّ كلّ مسائله وأبحاثه تدور حول جسم الإنسان من حيث الصحّة والمرض. وهكذا بالنسبة لسائر العلوم. وبما أنّ لكلّ علمٍ موضوعاً فما هو موضوع علم الأصول الذي تدور حوله بحوثه ومسائله؟


وبملاحظة تعريف علم الأصول المتقدّم نستطيع أن نعرف أنّ علم الأصول يدرس في الحقيقة العناصر المشتركة في علم الفقه لإثبات دليليّتها، فيبحث عن حجيّة الظهور المتقدّمة ليرى هل هي عنصرٌ مشتركٌ أم لا، وهل يصحّ الاعتماد عليها كدليل في الاستدلال الفقهيّ، وإلى أيّ مدى يمكن الاعتماد عليها؟ وهكذا بالنسبة لسائر الأدلّة والعناصر المشتركة. وبهذا صحّ القول بأنّ موضوع علم الأصول هو "الأدلّة المشتركة في عمليّة الاستنباط"1.


23


2- أهميّة علم الأصول وفائدته


ولا يوجد أيّ حاجة للتأكيد على أهميّة علم الأصول، وخطورة دوره في عالم الاستنباط، لأنّه ما دام يقدّم العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط، ويضع النظام العامّ في الاستدلال الفقهيّ، فهو عصب الحياة في هذه العمليّة. وبدون علم الأصول يواجه الشخص في الفقه ركاماً متناثراً من النصوص والأدلّة دون أن يستطيع استخدامها والاستفادة منها في الاستنباط، كإنسان يواجه أدوات النجارة ويعطى منشاراً وفأساً وما إليهما من أدوات، دون أن يملك أفكاراً عامّةً عن عمليّة النجارة وطريقة استخدام تلك الأدوات.


فعلم الأصول يبحث عن نوعٍ خاصٍ من عمليّة التفكير، أي عن عمليّة التفكير الفقهيّ في استنباط الأحكام الشرعيّة، ويدرس العناصر المشتركة التي يجب أن تدخل فيها لكي يكون الاستنباط سليماً. فهو يعلّمنا كيف نستنبط الحكم بحرمة الارتماس على الصائم، وكيف نستنبط اعتصام ماء الكرّ، وكيف نستنبط الحكم باستحباب صلاة العيد أو وجوبها، وذلك بوضع المناهج العامّة، وتحديد العناصر المشتركة لعملية الاستنباط. وعلى هذا الأساس يصحّ أن يطلق على علم الأصول اسم (منطق علم الفقه) لأنّه بالنسبة إليه بمثابة المنطق بالنسبة إلى الفكر البشري بصورة عامّة، فكما أنّ المنطق يصحّح التفكير البشريّ بشكلٍ عامّ، كذلك الأصول يصحّح التفكير لكن لا مطلق التفكير، وإنّما التفكير الفقهيّ خاصّةً. وهذه ميزةٌ كبيرةٌ لعلم الأصول أعطته وسام السبق في الأهميّة بين العلوم الإسلاميّة، لما له من ارتباطٍ مباشرٍ بالفقه واستنباط الحكم الشرعيّ. وبقدر ما اتسع الالتفات تدريجاً من خلال البحث الفقهيّ إلى العناصر المشتركة، اتسع علم الأصول وازداد أهميّةً.


24


3- الأصول والفقه النظريّة والتطبيق


ولا يُتصوّر أن من يدرس في علم الأصول العناصر المشتركة ويحدّدها، ويتناول بحوث علم الفقه العناصر الخاصّة، ليكمل بذلك عمليّة الاستنباط، يبقى عليه أن يستخرج الروايات والنصوص من مواضعها، وبإضافتها إلى العناصر المشتركة يستنبط منها الحكم الشرعيّ، وهذا جهدٌ علميٌّ بسيطٌ جداً.


فإنّ هذا التصور خاطئٌ جدّاً، لأنّ المجتهد إذا حدّد العناصر المشتركة في علم الأصول، لا يكتفي بتجميعٍ أعمى للعناصر الخاصّة من كتب الأحاديث والروايات مثلاً، بل يبقى عليه أن يمارس في علم الفقه تطبيق تلك العناصر المشتركة ونظريّاتها العامّة على العناصر الخاصّة. والتطبيق مهمّةٌ فكريّة تحتاج إلى درسٍ وتمحيصٍ. ولا يغني الجهد العلميّ المبذول أصوليّاً عن بذل جهدٍ جديدٍ في التطبيق، فلنفرض مثلاً أنّ المجتهد آمن في علم الأصول بحجيّة الظهور العرفيّ، فهل يكفيه أن يضع إصبعه على مكاتبة عليّ بن مهزيار التي حدّدت مجالات الخمس ليضيفها إلى العنصر المشترك، ويستنبط من ذلك عدم وجوب الخمس في ميراث الأب؟! أوليس المجتهد بحاجةٍ إلى تدقيق مدلول النصّ في الرواية لمعرفة نوع مدلوله في العرف العام، ودراسة كلّ ما يرتبط بتحديد ظهوره العرفيّ من قرائن وإمارات داخل إطار النصّ أو خارجه، لكي يتمكّن بأمانةٍ من تطبيق العنصر المشترك القائل بحجيّة الظهور العرفيّ؟


فالبحث الفقهيّ عن العناصر الخاصّة في عملية الاستنباط ليس مجرّد عمليّة تجميعٍ أعمى، بل هو مجال التطبيق للنظريّات الأصوليّة. وتطبيق النظريّات العامّة له دائماً موهبته الخاصّة ودقّته. ومجرّد الدقّة في النظريّات العامّة لا


25


يغني عن الدقّة في تطبيقها. ألا ترون أن من يدرس بعمقٍ النظريّات العامّة في الطبّ يحتاج في مجال تطبيقها على حالةٍ مرَضيّةٍ إلى دقّةٍ وانتباهٍ كاملين، وتفكيرٍ في تطبيق تلك النظريّات على المريض الذي بين يديه؟ كذلك الحال في تطبيق الفقيه للعناصر العامّة والخاصّة في عمليّة الاستنباط.


26


خلاصة الدرس
بملاحظة تعريف علم الأصول المتقدّم في الدرس الأول نستطيع أن نعرف أنّ علم الأصول يدرس في الحقيقة العناصر المشتركة في علم الفقه لإثبات دليليّتها، فيبحث عن حجيّة الظهور المتقدّمة ليرى هل هي عنصرٌ مشتركٌ أم لا، وهل يصحّ الاعتماد عليها كدليل في الاستدلال الفقهيّ، وإلى أيّ مدى يمكن الاعتماد عليها؟ وهكذا بالنسبة لسائر الأدلّة والعناصر المشتركة.
وبهذا صحّ القول بأنّ موضوع علم الأصول هو "الأدلّة المشتركة في عمليّة الاستنباط".


ويصحّ أن يطلق على علم الأصول اسم منطق علم الفقه لأنّه بالنسبة إليه بمثابة المنطق بالنسبة إلى الفكر البشري بصورة عامّة. فكما أنّ المنطق يصحّح التفكير البشريّ بشكلٍ عامّ، كذلك الأصول يصحّح التفكير لكن لا مطلق التفكير، وإنّما التفكير الفقهيّ خاصّةً. وهذه ميزةٌ كبيرةٌ لعلم الأصول أعطته وسام السبق في الأهميّة بين العلوم الإسلاميّة، لما له من ارتباطٍ مباشرٍ بالفقه واستنباط الحكم الشرعيّ. وبقدر ما اتسع الالتفات تدريجياً من خلال البحث الفقهيّ إلى العناصر المشتركة، اتسع علم الأصول وازداد أهميّةً.


فالبحث الفقهيّ عن العناصر الخاصّة في عملية الاستنباط ليس مجرّد عمليّة تجميعٍ أعمى، بل هو مجال التطبيق للنظريّات الأصوليّة. وتطبيق النظريّات العامّة له دائماً موهبته الخاصّة ودقّته. ومجرّد الدقّة في النظريّات العامّة لا يغني عن الدقّة في تطبيقها.


أسئلة الدرس
1- ما هو موضوع علم الأصول؟
2- كيف يكون الأصول منطق الفقه؟
3- تحدّث عن أهميّة علم الأصول.


هوامش
1- الصدر ـ محمد باقر(ت:1400هـ): دروس في علم الأصول/ دار الكتاب اللبناني، بيروت ـ لبنان، ط. الثانية 1986م./ ج 1 ص 39. ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2916-علم-الأصول-موضوعه،-أهميته،-علاقته-بالعفّة
ماهو علم الاصول http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2915-ماهو-علم-الاصول&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 13:59:59 GMT ​ما هو علم الأصول؟
أهداف الدرس


1- أستذكر تعريف علم الأصول.
2- أميز بين العناصر الخاصة والعناصر المشتركة.


13


تعريف علم الأصول1


قبل ذكر التعريف نطرح بعض الأسئلة، لنرى كيف يقوم الفقيه بالإجابة عليها، وكيف يمارس عملية استخراج الحكم الشرعيّ، ويحدّد الموقف العمليّ للمكلّف. فعلى سبيل المثال، لو سألنا الفقيه:


1- هل يحرم على الصائم أن يرتمس في الماء؟
2- إذا ورث شخصٌ مالاً من أبيه، فهل يجب عليه أن يؤدّي خمسه؟
3- هل القهقهة في أثناء الصلاة مبطلةٌ لها؟


والفقيه في مقام الإجابة على هذه الأسئلة يقول:


أمّا السؤال الأول: نعم يحرم الإرتماس على الصائم، والدليل على ذلك هو رواية يعقوب بن شعيب عن الإمام الصادق عليه السلام حيث ورد فيها أنّه قال: "لا يرتمس المحرم في الماء ولا الصائم"2. والجملة بهذا التركيب تدلّ- بحسب الفهم العرفيّ العام- على الحرمة. وراوي النصّ هو يعقوب بن شعيب وهو ثقةٌ. والثقة وإن كان قد يخطئ أو يشذّ أحياناً، ولكنّ الشارع أمرنا بالاعتماد على كلامه وعدم اتهامه بالخطأ أو الكذب. وهذا يعني أنّ الشارع قد اعتبر كلام الثقة حجّة. والنتيجة التي وصل إليها الفقيه هي أنّ الإرتماس حرامٌ على الصائم.


15


وأمّا السؤال الثاني: فلا يجب أن يؤدي خمس المال الموروث، وذلك لأنّ مكاتبة عليّ بن مهزيار جاءت في مقام تحديد الأموال التي يجب فيها الخمس، وقد ورد فيها أنّ الخمس ثابتٌ "في الميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن"3. ويفهم العرف العام من هذه الجملة، أنّ الشارع لم يجعل خمساً على الميراث الذي ينتقل من الأب إلى ابنه. والراوي ثقةٌ. وخبر الثقة حجّةٌ كما تقدّم. والنتيجة هي أنّ الخمس في إرث الأب غير واجبٍ.


وأمّا السؤال الثالث: نعم القهقهة مبطلةٌ للصلاة، بدليل رواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام حيث قال: "القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة"4. وما يفهمه العرف العام من عبارة النقض هو أنّ الصلاة تبطل بها. وزرارة ثقةٌ. وخبر الثقة حجّة كما تقدّم. فالصلاة مع القهقهة باطلةٌ إذن.


وبملاحظة هذه المواقف الفقهيّة الثلاثة نجد أنّ الأحكام التي استنبطها الفقيه كانت من أبوابٍ فقهيّةٍ مختلفةٍ، من الصوم والإرث والصلاة. كما أنّ الأدلة التي استند إليها مختلفةٌ أيضاً، فبالنسبة إلى الحكم الأول استند إلى رواية يعقوب بن شعيب، وبالنسبة إلى الحكم الثاني استند إلى رواية عليّ بن مهزيار، وبالنسبة إلى الحكم الثالث استند إلى رواية زرارة.


العناصر الخاصّة والمشتركة:


ولكلٍّ من الروايات الثلاث متنها وتركيبها اللفظيّ الخاصّ، الذي ينبغي أن يدرس بدقّة ويحدد معناه كذلك، ولكن مع ذلك التنوّع والاختلافات في المواقف يوجد عناصر خاصّةٌ وعناصر
مشتركةٌ أدخلها الفقيه واستفاد


16


منها في عمليّة الاستنباط لتحديد الحكم في المواقف الثلاثة جميعاً:


فالعناصر الخاصّة: هي تلك العناصر الخاصّة التي تتغيّر من مسألةٍ إلى أخرى، فرواية يعقوب بن شعيب عنصرٌ خاصٌّ في عمليّة استنباط حرمة الإرتماس، لأنّها لم تدخل إلا في حكم حرمة الإرتماس، دون أيٍّ من عمليّات الاستنباط الأخرى، بل دخلت بدلاً عنها عناصرُ خاصّةٌ أخرى كرواية عليّ بن مهزيار أو ورواية زرارة، فالعناصر الخاصّة هي تلك القواعد التي تدخل في عمليّة استنباط مسألةٍ فقهيّةٍ خاصّةٍ.


ولكن يوجد إلى جنب هذه العناصر الخاصّة بكلّ مسألةٍ عناصر مشتركةٌ وردت في كلّ هذه الأبواب الفقهيّة، ويستعملها الفقيه أيضاً في كثيرٍ من الأبواب، نذكر منها:


1- حجيّة الظهور: وهي تعني الرجوع إلى الفهم العرفيّ العامّ لفهم الكلام الصادر عن المعصوم، بمعنى أنّ ما يفهمه العرف العامّ من الكلام هو الحجّة وهو الذي يعتمد ويبنى عليه، فحجيّة الظهور إذن عنصرٌ مشتركٌ في عمليّات الاستنباط الثلاث.


2- حجيّة خبر الثقة: وهي تعني أنّ الثقة، وإن كان قد يخطئ أو يشذّ أحياناً، ولكنّ الشارع أمرنا بالاعتماد على كلامه وعدم اتهامه بالخطأ أو الكذب. وهذا يعني أنّ الشارع قد اعتبر كلام الثقة حجّة. وهكذا نستنتج أنّ عمليّات الاستنباط كما تشتمل على عناصر خاصّةٍ، كذلك تشتمل على عناصر مشتركةٍ. وعليه يمكن تعريف العناصر المشتركة بأنّها القواعد العامّة أو العناصر التي تدخل في عمليّة استنباط أحكامٍ شرعيّةٍ عديدةٍ ولا تختصّ ببابٍ فقهيٍّ دون باب.


وفي علم الأصول تدرس العناصر المشتركة، بينما في علم الفقه تدرس العناصر الخاصّة في كلّ مسألةٍ. وهكذا يترك للفقيه في كلّ مسألة أن يفحص بدقّةٍ الرواياتِ والمداركَ الخاصّة التي ترتبط بتلك المسألة، ويدرس قيمة تلك


17


الروايات، ويحاول فهم ألفاظها وظهورها العرفي، وأسانيدها. بينما يتناول الأصوليّ البحث عن حجيّة الظهور، وحجية الخبر وهكذا.


وهكذا نخلص إلى تعريف علم الأصول بأنّه "العلم بالعناصر المشتركة (أو القواعد العامّة) في عمليّة استنباط الحكم الشرعيّ، أو تحديد الموقف العمليّ"5.


وكما أنّ العناصر المشتركة ضروريّةٌ لعمليّة الاستنباط، كذلك العناصر الخاصّة التي تختلف من مسألةٍ لأخرى، كمفردات الآيات والروايات المتناثرة، فإنّها الجزء الضروريّ الآخر في هذه العمليّة. فلا يكفي مجرّد الاطلاع على العناصر المشتركة التي يمثلّها علم الأصول. فإنّ من يحاول الاستنباط على أساس الاطلاع الأصوليّ فحسب، يكون كمن يملك معلوماتٍ نظريّةً عامّةً عن عمليّة النجارة، ولا يوجد لديه فأسٌ ولا منشارٌ وما إليهما من أدوات النجارة. فكما يعجز هذا عن صنع سريرٍ خشبيٍّ مثلاً، كذلك يعجز الأصوليّ عن الاستنباط إذا لم يفحص بدقّةٍ العناصرَ الخاصّة المتغيّرة من مسألةٍ إلى أخرى. فالعناصر المشتركة والعناصر الخاصة قطبان مندمجان في عمليّة الاستنباط ولا غنى لها عنهما معاً.


18


خلاصة الدرس
في علم الأصول تدرس العناصر المشتركة، بينما في علم الفقه تدرس العناصر الخاصّة في كلّ مسألةٍ. وهكذا يترك للفقيه في كلّ مسألة أن يفحص بدقّةٍ الرواياتِ والمداركَ الخاصّة التي ترتبط بتلك المسألة، ويدرس قيمة تلك الروايات، ويحاول فهم ألفاظها وظهورها العرفي، وأسانيدها. بينما يتناول الأصوليّ البحث عن حجيّة الظهور، وحجيّة الخبر وهكذا.


هكذا نخلص إلى تعريف علم الأصول بأنّه "العلم بالعناصر المشتركة (أو القواعد العامّة) في عمليّة استنباط الحكم الشرعيّ، أو تحديد الموقف العمليّ".


أسئلة الدرس
1- وضّح تعريف علم الأصول.
2- ما الفرق بين العناصر الخاصة والعناصر المشتركة؟
3- تحدّث عن حجيّة الظهور؟


هوامش
1- اعتمدنا في (تعريف علم الأصول، وموضوعه وغايته) على كتاب الحلقة الأولى للشهيد السيّد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه ، مع ملاحظة بعض التصرّفات والتعديلات.
2- الكليني: (ت: 329 هـ): الكافي/ تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران ـ إيران، ط. الثالثة 1363 هـ ش. باب: إنّ المحرم لا يرتمس في الماء، الحديث 2، ج 4 ص 353.
3- الحرّ العامليّ (ت: 1104 هـ): وسائل الشيعة/ مؤسسة آل البيتrلإحياء التراث، قم ـ إيران، ط. الثانية 1414 هـ/ باب: السابع من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5، ج 9 ص 501.
4- الكليني: (ت: 329 هـ): الكافي/ تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران ـ إيران، ط. الثالثة 1363 هـ ش. باب: ما يقطع الصلاة، الحديث 6، ج 3 ص 365.
5- وهناك عدّة تعاريف لعلم الأصول نذكر منها التعريف المشهور بأنّه: " العلم بالقواعد الممهِّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة" قوانين الأصول: الميرزا القمي ( ت: 1231 هـ)، ط. حجرية قديمة، ص 5. ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2915-ماهو-علم-الاصول
المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة 6 http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2914-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-6&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 13:57:14 GMT المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (6) أصفهان- كربلاء أهداف الدرس 1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة أصفهان. 2. أن يستظهر ملامح هذه المدرسة. 3. أن يتعرّف... المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (6) أصفهان- كربلاء
أهداف الدرس


1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة أصفهان.
2. أن يستظهر ملامح هذه المدرسة.
3. أن يتعرّف إلى مدرسة كربلاء.
4. أن يتبيّن ملامح مدرسة كربلاء.


105


مدرسة أصفهان


انتقلت مدرسة جبل عامل إلى أصفهان في أيّام الصفويين، وذلك لسببين رئيسين هما: اضطهاد العثمانيين لفقهاء الشيعة في الشام من جهة، وحاجة الصفويّين الشيعة إلى الفقهاء لتولّي شؤون
القضاء والفتيا، والتوجيه، وتكريس علاقة الدولة بفقه أهل البيت عليهم السلام من الناحية الفقهيّة والثقافيّة، وتغطية الجانب الشرعيّ للدولة، من جهةٍ ثانيةٍ.


الكركيّ والدولة الصفويّة


في أواسط القرن العاشر الهجريّ استجاب أوّل فقيهٍ عامليٍّ لدعوة الصفويّين وهو المحقّق الكركيّ وهو الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي الشهير بالمحقّق الثاني. التقى المحقّق بالشاه إسماعيل الصفويّ في (هرات) إبّان فتحه لها في قمّة مجده العسكريّ وانتصاراته، وبارك له هذا النصر واستقبله الملك المنتصر في نشوة فتوحاته العسكريّة باحترامٍ وتقديرٍ كبيرين، وطلب منه أن ينتقل معه إلى إيران ليتولّى شؤون الدولة الشرعيّة والفقهيّة بموجب مذهب أهل البيت عليهم السلام.


واستطاع المحقّق الكركيّ أن يقنع جمعاً من زملائه وأصدقائه وتلاميذه في جبل عامل بالهجرة إلى إيران، والإفادة من هذه الفرصة السانحة لنشر وتكريس فقه أهل البيت عليهم السلام، وبسط نفوذ الفقهاء في هذه الدولة الفتيّة. واستطاع فعلاً


107


أن يحقّق خلال هذه الفترة أهدافه بصورة جيّدة، ونجح في بسط نفوذ المؤسّسة الفقهيّة إلى حدٍّ بعيدٍ، ممّا جعل النافذين في البلاط الملكيّ يتضايقون منه بصورةٍ أو بأخرى، وأدّى ذلك فعلاً إلى برودٍ ملحوظٍ في علاقة المحقّق ببعض أجنحة البلاط، فآثر المحقّق مغادرة إيران إلى العراق، والعودة إلى النجف مرّة أخرى، لمعاودة نشاطه الفقهيّ في هذه المدينة المقدّسة، بجوار مرقد أمير المؤمنين عليه السلام.


مكث المحقّق قرابة ستّ سنوات في النجف توفّي خلالها الشاه إسماعيل، وخلف على الملك ابنه طهماسب. ويبدو أن الفراغ الذي خلّفه المحقّق الكركي من بعده أضرّ بالدولة، وكان الجمهور يطالب بإلحاحٍ بعودة المحقّق الكركي إلى إيران، فلم يجد الشاه بديلاً عن المحقّق مما جعله يطلب من المحقّق العودة إلى إيران لتسلّم منصب شيخ الإسلام في عاصمة ملكه (أصفهان).




فاستجاب المحقّق للدعوة ورجع إلى أصفهان عاصمة الصفويّين بصفة (نائب الإمام)، وهذه الصفة تمنحه بطبيعة الحال الولاية المطلقة في شؤون النظام والأمّة، وتجعل مشروعيّة النظام تابعةً لإذن الفقيه. وأقرّ النظام الصفويّ للمحقّق بهذه الولاية المطلقة النائبة عن ولاية الإمام، وصرح له الملك " بأنّ معزول الشيخ لا يستخدم، ومنصوبه لا يعزل"1.




كان وفود المحقّق الكركيّ على عاصمة الصفويّين بدايةً لهجرةٍ واسعةٍ من قبل فقهاء جبل عامل، والمراكز الفقهيّة العامرة الأخرى في ذلك التاريخ مثل البحرين. فقدم إلى إيران جمعٌ من كبار الفقهاء العامليّين نذكر منهم: الشيخ حسين بن عبد الصمد- والد الشيخ البهائيّ-، والشيخ علي المنشار،


108


وكمال الدين درويش محمّد العامليّ، والشيخ لطف الله الميسيّ العامليّ، والشيخ الحرّ العامليّ صاحب موسوعة ( وسائل الشيعة)، وغيرهم ممّن ذكرهم الحر العامليّ رضوان الله عليهفي كتابه (أمل الآمل)، وهؤلاء الفقهاء وضعوا أساساً متيناً لمدرسة إصفهان الفقهيّة.


ثمّ نبغ من هذه المدرسة فقهاءٌ ومحدّثون، وفلاسفةٌ كبارٌ أمثال:


الشيخ البهائيّ، والعلامة المجلسيّ (الأبّ)، والعلّامة المجلسيّ (الابن)، والسيّد محمّد باقر الداماد، وصدر المتألّهين الشيرازيّ، والفيض الكاشانيّ، والملّا عبد الله الشوشتريّ.


ملامح مدرسة أصفهان


1- برز الفقه السياسيّ والاجتماعيّ بصورةٍ ملحوظةٍ، وأصبح من مسؤوليّة الفقهاء الإجابة الفقهيّة على كثيرٍ من الأسئلة التي كان يطرحها الولاة، والحكّام والقضاة، في مسائل الولاية والحكم والقضاء. وتناول الفقهاء هذه المسائل بالدراسة المستقلّة ضمن رسائل فقهيّة مستقلّة.


2- أنجز المحدّثون المجاميع والموسوعات الحديثيّة، ومن أهمّها


أ- كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسيّ.
ب- وسائل الشيعة للحرّ العامليّ.
ج- الوافي للفيض الكاشانيّ.


حفظت لنا هذه المجاميع ما تبقى من الكتب والأصول الحديثيّة، ولولاها لاندثر الكثير من تراث أهل البيت في الأصول والفروع والتفسير والأخلاق والمعارف الإسلاميّة الأخرى.


109


مدرسة كربلاء:


كانت في كربلاء مدرسةٌ فقهيٌّة محدودةٌ قبل القرن الثالث عشر بموازاة مدرسة الحلّة ومدرسة جبل عامل ومدرسة أصفهان. وكان في هذه المدرسة فقهاءٌ وعلماءٌ كبارٌ أمثال:


الشيخ أحمد بن فهد الحليّ من أقطاب الفقه والحديث، والشيخ إبراهيم الكفعميّ من أعلام الفقه والحديث وصاحب التآليف القيّمة، والسيّد حسين بن مساعد الحائريّ في القرن التاسع الهجريّ، والسيّد ولي الحسين الحائريّ صاحب كتاب مجمع البحرين، والمولى القاضي محمّد شريف الكاشف في القرن الحادي عشر الهجريّ، والسيّد نصر الله الحائريّ الفقيه الأديب الشاعر المعروف في القرن الثالث عشر، وغيرهم من أعلام الفقه والأدب والحديث والتفسير في هذه المدرسة العلمية.


أبرز علماء المدرسة:


شهدت هذه المدينة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر نشاطاً فقهيّاً واسعاً، وزخرت بفقهاء كبار أمثال:


الشيخ يوسف صاحب الحدائق، والوحيد البهبهاني، والسيّد مهدي بحر العلوم والمولى محمّد مهدي النراقي صاحب مستند الشيعة، والسيّد مهدي الشهرستانيّ، والسيّد علي الطباطبائيّ صاحب الرياض، والسيّد محمّد المجاهد الطباطبائيّ، والشيخ شريف العلماء، والشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ صاحب الفصول، والسيّد إبراهيم القزوينيّ صاحب الضوابط، والمولى محمّد صالح البرغانيّ، وغيرهم من أساطين العلم، وأعلام الطائفة.


ويبدو أنّ مدرسة كربلاء بدأت تتّسع في النكبة التي أصابت أصفهان في فتنة


يتبع ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2914-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-6
المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة 5 http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2913-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-5&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 13:55:21 GMT المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (5) جبل عامل أهداف الدرس 1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة جبل عامل. 2. أن يعدّد معالم هذه المدرسة. 97 المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (5) جبل عامل
أهداف الدرس


1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة جبل عامل.
2. أن يعدّد معالم هذه المدرسة.


97


عندما انتقل الفقه من بغداد إلى الحلّة، بعد سقوط الدولة العباسيّة، أقبل طلبة جبل عامل إلى الحلّة لتلقّي العلم من فقهائها. ومن هؤلاء الشيخ نجم الدين طمان بن أحمد العاملي، والشيخ صالح بن مشرف جدّ الشهيد الثاني، وجمال الدين يوسف بن حاتم العامليّ، والشيخ محمّد بن جمال الدين مكّي العامليّ الشهيد الأوّل، وغيرهم من علماء جبل عامل وفقهائه. وازدهرت بهم مدرسة جبل عامل وحفلت بالعلماء والفقهاء والمعاهد العلميّة، وانتقل إليها تراث مدرسة الحلّة، واجتمع فيها جمع غفير من علماء الشيعة حتّى أن الحرّ العاملي رضوان الله عليهيقول: "إنّ علماء الشيعة في جبل عامل يبلغون نحو الخمس من علماء الشيعة في جميع الأقطار مع أن بلادهم أقلّ من عشر عشر بلاد الشيعة"1. وقد تأسّست في هذه المنطقة مجموعة من المعاهد والمدارس العلميّة، استقطبت طلبة العلم، وخرّجت جمعاً كبيراً من الفقهاء والعلماء. ونشير إلى جملة من هذه المدارس.


أ- مدرسة جزين


من أبرز معاهد هذه المنطقة العامرة والحافلة بالفقهاء والعلماء. وقد تأسّست وازدهرت هذه المدرسة على يد الشهيد الأوّل. إلا أنّ جزين كانت قبل الشهيد معروفة بمن فيها من العلماء، منهم والد الشهيد جمال الدين مكّي


99


بن محمّد العاملي الجزّيني. يقول عنه الحرّ في ( الأمل): "كان من فضلاء المشايخ في زمانه ومن أجلّاء مشايخ الإجازة"2.


ازدهرت المدرسة على يد الشهيد رضوان الله عليهوكان الشهيد يمارس التدريس فيها بنفسه، ويعطيها من اهتمامه وجهده ووقته الكثير. كما عمل الشهيد رضوان الله عليهفي هذه الفترة على تنظيم علاقة الأمّة بالفقهاء من خلال شبكة الوكلاء الذين ينوبون عن الفقهاء في تنظيم شؤون الناس في دينهم ودنياهم، كما يقومون بجمع الحقوق المالية الشرعية لتوزيعها على مستحقّيها بنظر الفقيه 3.


ونمت وتطوّرت مدرسة جزين بعد شهادة الشهيد رضوان الله عليه، واستقطبت طلبة العلم من مناطق مختلفة. وأصبح جبل عامل بفضل هذه المدرسة وجهود الشهيد مركزاً للإشعاع الفكريّ في بلاد الشام خاصّةً، والعالم الإسلاميّ عامّة 4ً.


ب-مدرسة جباع


من المدارس الفقهيّة المعروفة في جبل عامل. درس فيها الشيخ صالح بن مشرف العامليّ الجبعيّ، وهو جدّ الشهيد الثاني، والشيخ نور الدين علي بن أحمد بن محمّد العامليّ الجبعيّ، والد الشهيد الثاني المعروف بابن الحاجّة، والشهيد الثاني 911- 966 ه‍ـ، حضر فيها المقدّمات على والده الشيخ نور الدين، ثمّ هاجر بعد وفاة والده جباع إلى ميس وحضر فيها على الشيخ الجليل علي بن عبد العالي الميسيّ سنة 925 هـ،‍ واستمرّ في الحضور عنده إلى سنة 933 هـ‍ ثم هاجر إلى كرك نوح وحضر فيها على السيّد حسن ابن السيّد جعفر صاحب


100


كتاب المحجّة البيضاء، وقرأ عليه الفقه والأصول والحديث والكلام والأدب، ثمّ عاد إلى جباع في سنة 934 هـ‍، وبقي فيها يتعاطى العلم إلى سنة 937 ه‍ حيث هاجر منها إلى دمشق ليكمل دراسته فيها.


وعاد إلى جباع مرّة أخرى سنة 938 هـ‍ وأقام فيها إلى سنة 941 ه‍ـ يمارس التدريس والتوجيه والتأليف، وفي هذه السنة غادر جباع إلى دمشق حيث حضر فيها على علماء أهل السنّة، فاجتمع بالشيخ شمس الدين بن طولون الدمشقيّ الحنفيّ وقرأ عليه جملةً من الصحيحين، وأجازه روايتهما معاً. ثمّ غادر دمشق إلى مصر سنة 943 ه‍، فاجتمع في مصر بجمع من أعلام مصر وفقهائها، قرأ عليهم واستفاد منهم، ثمّ عاد الشهيد إلى جباع في حدوده سنة 935 ه‍ وازدهرت بعودته مدرسة جباع بعد ضمور وخمول.


من أعلام مدرسة جباع


جمال الدين أبو منصور الشيخ حسن بن زين الدين المشهور بالشهيد الثاني (959- 1011 هـ‍)، من كبار فقهاء الشيعة، اشتهر بكتابه القيم (معالم الدين وملاذ المجتهدين)، حضر عند السيّد علي الصائغ والسيّد علي نور الدين الكبير- والد السيّد محمّد صاحب (المدارك)، والشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائيّ، واختص بالسيّد علي الصائغ، وكان أكثر دراسته في العلوم العقليّة والنقليّة عليه. واستفاد من إقامة الشيخ عبد الله اليزدي رضوان الله عليهصاحب (حاشية التهذيب) في هذه المنطقة فقرأ عليه هو وابن اخته السيّد محمّد صاحب (المدارك)، ثمّ هاجر هو وصاحب (المدارك) إلى النجف وحضرا عند المولى المقدّس الأردبيليّ في الفقه والأصول، ثمّ رجعا إلى جباع. واستقلّ صاحب (المعالم) الشيخ حسن بعد عودته إلى جباع في التدريس، وألف مجموعةً من الكتب.

يتبع ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2913-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-5
المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة 4 http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2912-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-4&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 13:52:43 GMT المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (4) الحلّة أهداف الدرس 1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة الحلّة. 2. أن يتبيّن أهم ملامح هذه المدرسة. 89 المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (4) الحلّة
أهداف الدرس


1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة الحلّة.
2. أن يتبيّن أهم ملامح هذه المدرسة.


89


نشأة المدرسة


برزت مدرسة الحلّة الفقهيّة بعد احتلال بغداد على يد هولاكو التتار، عندها أوفد أهل الحلّة وفداً إلى قيادة الجيش المغوليّ يلتمسون الأمان لبلدهم، فاستجاب لهم هولاكو، وآمنهم على بلدهم بعد أن اختبر صدقهم. وبذلك ظلّت الحلّة مأمونةً من النكبة التي حلّت بسائر البلاد في محنة الاحتلال المغولي، وأخذت تستقطب الشاردين من بغداد من الطلاب والأساتذة والفقهاء، فاجتمع فيها عددٌ كبيرٌ من الطلاب والعلماء، وانتقل معهم النشاط العلميّ، واحتفلت بما كانت تحتفل به بغداد من وجوه النشاط الفكريّ، من ندوات البحث والجدل، وحلقات الدراسة والمكتبات والمدارس، وغيرها، وظهر في هذه المدرسة فقهاءٌ كبارٌ كان لهم الأثر الكبير في تطوير مناهج الفقه والأصول الإماميّة، وتجديد صياغة عمليّة الاجتهاد، وتنظيم أبواب الفقه، نذكر منهم:


أبرز علماء مدرسة الحلّة


1- المحقّق الحلّي: نجم الدين أبو القاسم جعفر بن سعيد الحلّيّ (ت: 678هـ)، رائد مدرسة الحلّة الفقهيّة، ومن كبار فقهاء الشيعة قال عنه تلميذه ابن داود: "الإمام العلامة واحد عصره، كان ألسن أهل زمانه، وأقومهم بالحجّة وأسرعهم استحضاراً،... كان مجلسه يزدحم بالعلماء والفضلاء ممن كانوا يقصدونه للاستفادة من حديثه، والاستزادة من علمه"1.


91


قدّر للمحقّق الحلّيّ أن يجدّد كثيراً في مناهج البحث الفقهيّ والأصوليّ، وأن يكون رائد هذه المدرسة. ويكفي في فضله على المدرسة الفقهيّة أنّه ربّى تلميذاً بمستوى العلامة الحلّيّ، وخلّف كتباً قيّمةً في الفقه لا يزال الفقهاء يتناولونها، ويتعاطونها باعتزازٍ ككتاب: شرايع الإسلام، وكتاب المختصر النافع، وكتاب المعتبر في شرح المختصر، وكتاب نكت النهاية، وكتاب المعارج في أصول الفقه وغيرها.


2- العلامة الحلّيّ: جمال الدين حسن بن يوسف بن علي بن المطهّر، (648- 726 هـ)‍. تتلمذ في الفقه على خاله المحقّق الحلّي، وفي الفلسفة والرياضيّات على المحقّق الطوسيّ، فنشأ كما أراد أستاذاه، وظهر على أترابه وزملائه وعرف بالنبوغ وهو بعد لم يتجاوز سنّ المراهقة، وانتقلت الزعامة في التدريس والفتيا إليه بعد وفاة خاله المحقّق.


قدّر للعلامة الحلّيّ بفضل ما أوتي من نبوغ، وبفضل أستاذيه الكبيرين المحقّق والشيخ، وجهوده الخاصّة، أن يساهم مساهمةً فعّالةً في تطوير مناهج الفقه والأصول، وأن يوسع دراسة الفقه. وتعدّ موسوعته الفقهيّة التذكرة أوّل موسوعةٍ فقهيٍّة من نوعها في تاريخ تطوير الفقه الشيعيّ، من حيث السعة والمقارنة والشمول، وتطور مناهج البحث.


وبلغت مدرسة الحلّة كمالها في حياة العلامة، وذلك بفضل جهوده القيّمة، كما قدّر له لأوّل مرّة أن يتفرغ لدراسة المسائل الخلافيّة بين فقهاء الشيعة بصورةٍ مستقلّةٍ في كتابه الكبير المختلف.


3- فخر المحقّقين: أبو طالب محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر، من وجوه الطائفة وأعيانها، تتلمذ على أبيه العلامة الحلّي، ونشأ برعايته وعنايته، وقرأ عليه مختلف العلوم النقليّة والعقليّة، وبرز في ذلك كلّه. أكمل بعض تآليف والده العلامة ككتاب الألفين وغيره، وشرح بعضها الآخر ككتاب القواعد. قال


92


فيه الشيخ الحرّ العامليّ : "كان فاضلاً محقّقاً فقيهاً ثقةً جليلاً"2، قام بتربية تلامذةٍ كبار في الفقه كان منهم الشهيد الأوّل رضوان الله عليه.


4- الشهيد الأوّل: أبو عبد الله محمّد بن الشيخ جمال الدين مكّي بن شمس الدين محمّد الدمشقيّ الجزينيّ (734- 786 هـ).


ولد في جزين من بلدان جبل عامل، وهاجر إلى الحلّة طلباً للعلم، تتلمذ على فخر المحقّقين بالحلّة ولازمه، وتتلمذ على آخرين من تلاميذ العلامة الحلّيّ في الفقه والفلسفة. زار مكّة المكرّمة، والمدينة المنوّرة، وبغداد، ومصر، ودمشق، وبيت المقدس، ومقام الخليل إبراهيم، واجتمع فيها بمشايخ العامّة، وأتاحت له هذه الأسفار نوعاً من التلاقح الفكريّ بين مناهج البحث الفقهيّ والأصوليّ عند الشيعة والسنة.


وقرأ كثيراً من كتب السنّة في الفقه والحديث، وروى عنهم حتّى قال في إجازته لابن الخازن: "إنّي أروي عن نحو أربعين شيخاً من علمائهم بمكّة والمدينة ودار السلام بغداد ومصر ودمشق وبيت المقدس ومقام الخليل إبراهيم"3. وهذا النص يدل على أنّ الشهيد الأوّل جمع بين ثقافتي الشيعة والسنّة في الفقه والحديث، ولاقح بين المنهجين في حدود ما تسمح به طبيعة المنهجين.
خلف كتباً كثيرة ًتمتاز بروعة البيان، ودقّة الملاحظة، وعمق الفكرة وسعة الأفق، منها: الذكرى، والدروس الشرعيّة في فقه الإماميّة، وغاية المراد في شرح نكت الإرشاد، واللمعة الدمشقيّة، والألفية والنفلية، وغير ذلك.


قتل بالسيف بدمشق، ثمّ صلب، ثمّ رجم ثمّ أحرق بفتوى القاضي برهان


93


الدين المالكيّ، وعباد بن جماعة الشافعيّ بعد ما حبس سنةً كاملةً في قلعة الشام في محنةٍ أليمةٍ نعرض عن ذكرها.ويذكر من علماء هذه المدرسة: يحي بن سعيد الحلّي وابن إدريس الحلّي وابن أبي الفوارس وابن طاووس وابن ورام.


ملامح المدرسة

يتبع ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2912-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-4
المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة 3 http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2911-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-3&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 13:51:14 GMT المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (3) بغداد والنجف أهداف الدرس 1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرستي بغداد والنجف. 2. أن يعدِّد ملامح المدرسة. 79 المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (3) بغداد والنجف
أهداف الدرس


1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرستي بغداد والنجف.
2. أن يعدِّد ملامح المدرسة.


79


أسباب الانتقال إلى بغداد


انتقلت المدرسة من قم والريّ إلى بغداد في القرن الخامس الهجريّ، وذلك لأسبابٍ نذكر منها:


1- ضعف جهاز الحكم العباسيّ: حيث ضعفت سيطرتهم في هذه الفترة، ولم يجد الجهاز الحاكم القوة الكافية لملاحقة الشيعة والضغط عليهم، كما كان في زمن المنصور والرشيد والمتوكّل والمعتصم، فوجد فقهاء الشيعة سعةً للظهور ونشر الفقه الشيعيّ، وممارسة البحث الفقهيّ علانيةً.


2- ظهور شخصيّاتٍ فقهيةٍ كبيرةٍ: كالشيخ المفيد والسيّد المرتضى، حيث كانوا يستغلّون مكانة بيوتهم الاجتماعية، ومكاناتهم السياسية في نشر الفقه الشيعيّ وتطوير دراسته.


3- توسّع المدرسة: ممّا أدّى إلى سيطرة البويهيّين الشيعة في ذلك الوقت، وكانت البيئة الجديدة صالحةً لتقبّل هذه المدرسة، وتطويرها وخدمتها.


فبغداد تعتبر مركزاً ثقافيّاً كبيراً من مراكز الحركة العقليّة في العالم الإسلاميّ، يقطنها الآلاف من الفقهاء والمحدّثين، وينتشر في أرجائها آلاف المدارس والمكاتب والمساجد التي كان يحتشد فيها جماهير الطلاب والمدرّسين والعلماء كلّ يوم للدرس والمطالعة، والبحث والمناقشة، فكان لانتقال المدرسة إلى هذا الجوّ الفكريّ على يد علماء كبار أمثال المفيد والمرتضى والطوسيّ


81


الأثر الكبير في الحركة الفكريّة القائمة في حينه. فبعد أن تكاملت مدرسة الفقه الشيعيّ في قم والريّ وتأصّلت، وظهرت ملامح الاستقلال عليها وتبلورت أصولها وقواعدها في بغداد، ورغم كثرة مدارس البحث الفقهيّ في بغداد في ذلك الحين، كانت مدرسة أهل البيت عليهم السلام فيها أوسعها وأضخمها وأعمقها جذوراً وأصولاً وأكثرها تأصّلا واستعداداً، وأقومها في الاستدلال والاحتجاج، وكلّ ذلك كان يبعث طلّاب الفقه على الالتفاف حول هذه المدرسة أكثر من غيرها.


أبرز علماء الشيعة في مدرسة بغداد والنجف


1- المفيد: أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان الملقّب بالمفيد البغداديّ (336- 413 هـ)، ولد في عكبرا، وانتقل منها في أيّام صباه إلى بغداد بصحبة والده، ونشأ فيها، وتفرغ لطلب العلم، فعرف وهو صغيرٌ بالفضل والنبوغ. استقلّ بالتدريس في بغداد وهو بعد لم يتجاوز سنّ الشباب، وتفرّغ للفقه والكلام، وكان يحضر مجلس درسه آلاف الطلاب من الشيعة والسنّة، وبرز من تلاميذه رجالٌ كبارٌ أمثال السيّد المرتضى، والشيخ الطوسيّ، ساهموا في توسعة المدرسة وتطويرها.


يقول العلامة الحلّيّ: "من أجلّ مشائخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم، وكلّ من تأخّر عنه استفاد منه، وفضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية، أوثق أهل زمانه وأعلمهم، انتهت رئاسة الإماميّة في وقته إليه، وكان حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، له قريب من مائتي مصنّف"1.


2- المرتضى علم الهدى( 355- 436 هـ) وأخوه الرضيّ: وهما من أبرز تلامذة الشيخ المفيد الذي عنيَ بهما عنايةً فائقة. تفرّغ المرتضى إلى الفقه بجانب تخصّصه في الأدب، وإلى جانب مؤهّلاته الفكريّة، وجهده الكبير في


82


طلب العلم وعناية أستاذه به، ومكانة أسرته الاجتماعية والثقافيّة، لم يتوقّف عن البحث والتحقيق حتّى خلف أستاذه المفيد بعد موته، وتولّى بنفسه مهمّة التدريس، وزعامة الطائفة، واحتشد حوله الطلاب.


طوّر كثيراً من مناهج الفقه، وكتب الأصول ودرسها. وربما يصحّ اعتباره من أسبق من ارتاد هذا الحقل من حقول الفكر الإسلاميّ. وقد عدّ له السيّد الأمين في الأعيان ما يقرب من تسعين مؤلّفاً من مؤلفاته ممّا عثر على اسمه2.


3- الشيخ الطوسيّ: رئيس الطائفة وهو محمّد بن الحسن الطوسيّ (385- 460 هـ): ولد في طوس في شهر رمضان سنة 385 هـ بعد أربع سنوات من وفاة الشيخ الصدوق، وهاجر إلى العراق فهبط بغداد سنة 408 هـ وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وكانت زعامة المذهب الجعفريّ يومذاك لشيخ الأمّة المفيد، فلازمه وعكف على الاستفادة منه، حتّى اختار الله لأستاذه دار البقاء، فانتقلت زعامة الدين، ورئاسة المذهب إلى أبرز تلاميذه السيّد المرتضى، فانحاز شيخ الطائفة إليه، ولازم الحضور تحت منبره، وعني به المرتضى، وبالغ في توجيهه وتلقينه، واهتمّ به أكثر من سائر تلاميذه، وبقي ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة حتّى توفي السيد المرتضى سنة 436 هـ، فاستقلّ الشيخ الطوسيّ بالإمامة، وأصبح علماً للشيعة وناشراً للشريعة، وقد تقاطر عليه العلماء والفضلاء للتلمذة عليه، والحضور تحت منبره، وقصدوه من كلّ بلد ومكان وبلغت عدة تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة.


عايش تجربة تطوير البحث الفقهيّ والأصوليّ في ظلّ أستاذيه الكبيرين( المفيد والمرتضى)، وكانت فترة مخاض، تمخّضت عنها المدرسة الفقهيّة الجديدة، وعانى ما تتطلّب هذه الفترة من جهدٍ وتعبٍ. واستمرّ بعد


83


أستاذيه في تطوير المدرسة فكانت حياة الشيخ الطوسيّ في مرحلتي التلمذة والتدريس سلسلةً طويلةً من المحاولات التجديديّة، لتطوير الفقه وصياغته من جديدٍ، وتجديد أصول الصناعة والصياغة والاستدلال فيه.


انتقل الشيخ الطوسيّ إلى النجف الأشرف سنة 448 هـ حينما هجموا على داره واحرقوا مكتبته ومنبره. وظلّ ماسكاً بزمام زعامة الشيعة وهو في النجف، والتحق به عددٌ من الطلّاب والعلماء، والتفوا حوله لتتشكّل من ذلك مدرسةٌ جديدة قي النجف الأشرف، ما زالت قائمة إلى يومنا الحاضر، وظلّ يمارس التدريس والتأليف وتطوير مناهج الدراسة الفقهيّة اثنتي عشرة سنةً حتّى آثره الله لدار لقائه في المحرّم سنة 460 هـ.


ذكر العلامة الجليل الشيخ آغا بزرك اسماء 47 مؤلِّفاً للشيخ ممّا وصل إليه من أسماء مصنفاته.


ملامح المدرسة


لقد كان البحث الفقهيّ في مدارس المدينة والكوفة وقم، لا يخرج عن حدود استعراض السنّة، ونقل الحديث، ولم يبلغ رغم تطور المدرسة في عهودها الثلاثة مرحلة الرأي والاجتهاد. ويلمس الباحث لأوّل مرّةٍ آثار الصناعة والصياغة الفنيّة، والاجتهاد والرأي، في هاتين المدرستين، لا سيما في كتابات السيّد المرتضى الأصوليّة، وكتب الشيخ الطوسيّ الفقهيّة والأصوليّة، ولعلّ من أبرز ملامح هاتين المدرستين:


1- خروج الفقه عن الاقتصار على استعراض نصوص الكتاب: وما صحّ من السنّة إلى معالجة النصوص، واستخدام الأصول والقواعد: فقد انقلبت في هذه المدرسة عمليّة الاستنباط إلى صناعةٍ علميّة3 لها أصولها وقواعدها.

يتبع ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2911-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-3
المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة 2 http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2910-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-2&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 13:48:43 GMT المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (2) قمّ والريّ أهداف الدرس 1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة قمّ والريّ. 2. أن يتبيّن ملامح هذه المدرسة. 69 المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (2) قمّ والريّ
أهداف الدرس


1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة قمّ والريّ.
2. أن يتبيّن ملامح هذه المدرسة.


69


نشأة مدرسة قمّ


يبتدئ هذا العصر من الغيبة الكبرى، والربع الأوّل من القرن الرابع إلى النصف الأوّل من القرن الخامس.


في هذه الفترة انتقلت حركة التدريس والكتابة والبحث إلى مدينتيّ قمّ والريّ1، وظهر فيهما شيوخٌ كبارٌ من أساتذة الفقه الشيعيّ،كان لهم الأثر الأكبر في تطويره. فقد كانت (قمّ) منذ أيّام الأئمّة عليهم السلام من أمّهات المدن الشيعيّة، وحصناً من حصون التشيّع، وعشّاً لآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وموضع عناية خاصّة من أهل البيت عليهم السلام.


وكانت (الريّ)- وهي قريبةٌ من (قمّ)- في هذا التاريخ بلدةً عامرةً بالمدارس والمكاتب، وحافلةً بالعلماء والفقهاء والمحدّثين.


أسباب الانتقال


من أبرز أسباب انتقال مدرسة أهل البيت عليهم السلام من الكوفة إلى إيران، هو الضغط الشديد الذي كان يلاقيه فقهاء الشيعة وعلماؤهم من العباسيّين، فقد كانوا يطاردون كلَّ من يظهر باسم الشيعة بمختلف ألوان الأذى والتهمة، ممّا جعل فقهاء الشيعة وعلماؤها ينتقلون إلى قم والريّ، ووجدوا في هاتين البلدتين


71


ملجأً آمناً يطمئنّون فيه لنشر فقه وحديث أهل البيت عليهم السلام، وكانتا تحت حكومة سلاطين آل بويه، الذين عُرفوا في التاريخ بنزعتهم وولائهم للتشيّع.


ازدهار المدرسة


ويظهر أنّ (قم) في عصر الغيبة، وعهد نيابة النواب الأربعة، كانت حافلةً بعلماء الشيعة وفقهائها، ومركزاً فقهيّاً كبيراً من مراكز البحث الفقهيّ، يعتمد على فقهائها حتّى أمثال الحسين بن روح. ويدلّل على ذلك روايةٌ تاريخيّة ذكرها الشيخ في كتاب الغيبة وهي: "أنفذ الشيخ حسين بن روح (رضي الله تعالى عنه) كتابَ التأديب إلى (قم)، وكتب إلى جماعة الفقهاء بها وقال لهم: انظروا ما في هذا الكتاب، وانظروا هل فيه شيءٌ يخالفكم، فكتبوا إليه: إنّه كلّه صحيحٌ، وما فيه شيءٌ يخالف إلا قوله: (في) الصاع في الفطرة نصف صاعٍ من طعام، والطعام عندنا مثل الشعير من كلّ واحدٍ صاع"2.


ويكفي للدلالة على ضخامة مدرسة قم في هذا العصر ما ذكره العلامة المجلسيّ الأوّل محمّد تقيّ رضوان الله عليهفي شرحه لمن لا يحضره الفقيه بالفارسيّة ما تعريبه: "إنّ في زمان عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه المتوفّى سنة 329 هـ‍ كان في قم من المحدّثين مائتا ألف رجل"3.


ووصف الحسن بن محمّد بن الحسن القميّ المتوفّى سنة 378 هـ الفترةَ التي نتحدث عنها قائلاً: "الباب السادس عشر: في ذكر بعض علماء قم، وعدد خواصّهم مائتان وستّة وستّون، وذكر مصنفاتهم ورواياتهم وبعض أخبارهم"4.


72


وهذه الكلمات تدلّ على أنّ مدرسة قم كانت في هذه الفترة من أوسع المدارس الشيعيّة في الفقه والحديث وأضخمها، وكانت تضمّ مئات المدارس والمساجد والمكاتب، وندوات البحث والمناقشة، ومجالس الدرس والمذاكرة.


أبرز علماء هذه المدرسة ومصنّفاتهم


لقد حفلت مدرسة قم والريّ في القرن الرابع الهجريّ بشيوخٍ كبارٍ في الفقه والحديث. ونشطت حركة التأليف والبحث الفقهيّ، وتدوين المجاميع الحديثيّة الموسّعة.


نذكر من علماء هذه المدرسة ومصنّفاتهم


1- عليّ بن إبراهيم القميّ شيخ الكلينيّ في الحديث، يقول عنه النجاشيّ: "ثقة في الحديث ثبتٌ معتمدٌ، صحيح المذهب، سمع فأكثر، وصنّف كتباً،... منها: قرب الإسناد، وكتاب الشرائع، وكتاب الحيض"5.


2- الشيخ محمّد بن يعقوب الكلينيّ المتوفّى سنة 329 هـ. كان معاصراً لعلي بن الحسين بن بابويه، والد الشيخ الصدوق، وتوفيا في سنةٍ واحدةٍ، وهي المعروفة عند الفقهاء تناثر النجوم بسنة (موت الفقهاء).


له كتاب الكافي في الأصول- والفروع. ويعدّ تأليفه أوّل محاولةٍ من نوعها لجمع الحديث وتبويبه، وتنظيم أبواب الفقه والأصول.
يقول رضوان الله عليهفي مطلع كتابه: "كتابٌ كافٍ يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلّم، ويرجع إليه المستر شد، ويأخذ منه من يريد علم الدين، والعمل بالآثار الصحيحة عن (الصادقين) عليهم السلام "6.


73


يقول عنه الشيخ المفيد: من أجلّ كتب الشيعة، وأكثرها فائدة7.


3- أبو القاسم جعفر بن محمّد بن جعفر بن موسى بن قولويه، كان من تلامذة الكلينيّ والراوين عنه، وأستاذ الشيخ المفيد.
قال عنه النجاشيّ: "كان من ثقات أصحابنا وأجلائهم في الحديث والفقه،... وكلّ ما يوصف به الناس من جميلٍ وفقهٍ وثقةٍ فهو فوقه، له كتبٌ حسانٌ (عدّ منها جملةً كبيرةً)"8.


4- آل ابن بابويه: من بيوتات الفقه والحديث في (قم)، وموضع عناية خاصّة من الحجّة القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف ونوّابه، ومن فقهاء الشيعة ومحدّثيهم، وكان أبرزهم الصدوق الأوّل علي بن بابويه القميّ الذي كان من رؤساء المذهب وفقهائهم الكبار. يقول عنه العلامة في الخلاصة: "شيخ القمّيين ومتقدّمهم وفقيههم وثقتهم"9. والابن وهو الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي أبو جعفر، قال عنه النجاشيّ: " نزيل الريّ، شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان... وله كتبٌ كثيرةٌ (عدّدها)"10.


دوّن الشيخ الصدوق الابن مجموعته الحديثيّة الكبيرة من لا يحضره الفقيه وهو الموسوعة الحديثيّة الجامعة الثانية التي ألّفت في الفقه في هذه الفترة بمدرسة قم والريّ. وقد حاول الصدوق في موسوعته هذه أن يجمع أبعاد الفقه وينظمّه في كتابٍ، ويجمع ما صحّ لديه من أحاديث فيه، ويجعله في متناول

يتبع ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2910-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-2
المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة 1 http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2909-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-1&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 13:46:47 GMT المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (1) المدينة المنوّرة- الكوفة أهداف الدرس 1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة المدينة المنوّرة. 2. أن يتعرّف إلى مدرسة... المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (1) المدينة المنوّرة- الكوفة
أهداف الدرس


1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة المدينة المنوّرة.
2. أن يتعرّف إلى مدرسة الكوفة.


55


تمهيد


عندما نتحدّث عن مدرسة فقهيّة في بلدٍ خاصٍ كالمدينة، أو الكوفة أو بغداد أو النجف، فنحن لا نعني أنّ الفقه وكلّ المدارس الفقهيّة قد تمركزت في هذا البلد، وأنّ روّاد هذه المدرسة لم يتجاوزوا هذه النواحي قطّ، ولم يكن لهم أيّ دورٍ في تكوين مدرستهم في بلدانٍ أخرى. وإنّما نعني أن هذه المدرسة بلغت نضجها وكمالها الخاصّ في هذا البلد بالخصوص، وكان لها الأثر الكبير في تكوينها وبلورتها، وإن كان للبلدانِ الأخرى دورٌ وتأثيرٌ في تكوينها وبلورتها، وتركت آثاراً في تكامل هذه المدرسة.


فقد مرّ على الفقه في مدرسة أهل البيت عليهم السلام مراحل مختلفة، من الصعب تحديدها تحديداً دقيقاً، ولكن يمكن حصرها على وجه التقريب في بعض المدارس الكبرى بحسب العصور.


1- مدرسة المدينة المنوّرة


وعصرها هو عصر الصحابة والتابعين لهم. فقد ظهر الفقه من حين ظهور المجتمع الإسلاميّ في المدينة المنوّرة، واستمرّت الحركة العلميّة والفقهيّة إلى حياة الإمام الصادق عليه السلام، فكانت المدينة المنوّرة هي المنطلق الأوّل للرسالة الإسلاميّة، والمدرسة الأولى للفقه الإسلاميّ، وكانت الوطن الأوّل لفقهاء الشيعة، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فكان من فقهاء الصحابة- بعد


57


الإمام أمير المؤمنين والزهراء والحسنين عليهم السلام وهم الذين تولّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تربيتهم وتعليمهم:


ابنُ عباس، وسلمان الفارسيّ، وأبو ذرّ الغفاريّ، وأبو رافع إبراهيم مولى رسول الله، قال النجاشيّ: "أسلم أبو رافع قديماً بمكّة، وهاجر إلى المدينة، وشهد مع النبيّ مشاهده، ولزم أمير المؤمنين عليه السلام من بعده، وكان من خيار الشيعة، وشهد معه حروبه، وكان صاحب بيت ماله بالكوفة"1 "ولأبي رافع كتاب السنن والأحكام والقضاء"2.


وكان من التابعين جمع كثير من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام حفظوا السنّة النبويّة، وتداولوها فيما بينهم، ونقلوها إلى الأجيال التي تليهم بأمانةٍ، حتّى قال الذهبيّ: "فهذا (أي التشيّع) كثيرٌ في التابعين وتابعيهم مع الدين، والورع والصدق، فلو ردّ حديث هؤلاء (أي الشيعة) لذهبت جملة الآثار النبويّة"3.


في عهد الخليفة الثاني


منع عُمر بن الخطاب من تدوين السنّة النبويّة لعوامل عدّة، فبقيت في صدور الصحابة والتابعين يتناقلونها حتّى خلافة عُمر بن عبد العزيز، حيث أمر محمّدَ بن مسلم بن شهاب الزهريّ بتدوينه، فلم يتّفق لمحدّثي غير الشيعة من الصحابة والتابعين تدوين السنّة النبويّة قبل هذا الوقت، ولكن فقهاء الشيعة دوّنوا عدّة مدوّنات حديثيّة مهمّة، فكان أمير المؤمنين عليه السلام أوّل من صنّف في الفقه، ودوّن الحديث النبويّ، ولم يوافق عمر بن الخطاب على رأيه. قال السيوطيّ في تدريب الراوي: "كان بين السلف من الصحابة والتابعين


58


اختلافٌ كثيرٌ في كتابة العلم، فكرهها كثيرٌ منهم، وأباحتها طائفة وفعلوها: منهم: عليّ وابنه الحسن"4.


وفي كتاب الكافي عن يحيى بن جرير قال: قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: "كان سعيد بن المسيّب والقاسم بن محمّد بن أبي بكر، وأبو خالد الكابليّ، من ثقات عليّ بن الحسين عليهما السلام"5.


والخلاصة أنّه كان فقهاء الشيعة وعلى رأسهم أئمّة المسلمين من أهل البيت عليهم السلام، يقودون الحركة الفكريّة في العالم الإسلاميّ، وانطلقت هذه الحركة من المدينة المنوّرة بشكلٍ خاصّ، وبلغ هذا الازدهار الفكريّ غايته في عهد الإمام الصادق عليه السلام فازدهرت المدينة في عصره، وزخرت بطلاب العلوم ووفود الأقطار الإسلاميّة، وانتظمت فيها حلقات الدرس، وكان بيته جامعةً إسلاميّةً يزدحم فيه رجال العلم، وحملة الحديث، من مختلف الطبقات ينتهلون من موارد علمه.


قال الشيخ المفيد عن الإمام الصادق عليه السلام: "ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان. ولم يُنقل عن أحدٍ من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، ولا لقيَ أحدٌ منهم من أهل الآثار ونقَلَةِ الأخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله عليه السلام، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجلٍ"6.


59


ملامح المدرسة


كانت ملامح المدرسة الفقهيّة في المدينة المنوّرة بدائية إلى حدٍّ ما، ولم تتبلور المسائل الخلافيّة في الفقه بين مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومدرسة الخلفاء، كما تبلورت بعد في مدرسة الكوفة على يد تلامذة الإمام الصادق عليه السلام واستمرّت إلى أيّام الإمام الرضا عليه السلام. فالاختلاف في القياس والاستحسان والرأي والاجتهاد، ومسائل الصلاة والوضوء والحجّ الخلافيّة، لم تظهر واضحةً في هذه الفترة بالذات.


"ولم تكن هناك كتبٌ فقهيّة تعنى بالفتاوى خارج نطاق المدوّنات الحديثيّة. كما لم تتبلور بعد لدى فقهاء الشيعة صياغةُ المقاييس الخاصّة للاجتهاد والفتيا بصورةٍ كاملةٍ، والمقاييس الخاصّة لمعالجة الأخبار المتعارضة، فلم يكثر الحديث بعد عن أهل آل البيت عليهم السلام، ولم يدرس في حديثهم بعد الشيء الكثير من الحديث المدسوس، ولم يشقّ على الفقهاء الرجوع إلى الأئمّة عليهم السلام للسؤال فيما يعرضهم من حاجةٍ، أو ما يعرض الناس، فلم تظهر حاجةٌ ملحّةٌ إلى اتخاذ مقاييس للرأي والاجتهاد، ومقاييس لمعالجة الأحاديث المتعارضة، ومعرفة السقيم منها من الصحيح، ولم يراجعوا الأئمّة في شيءٍ من ذلك، ولذلك كان البحث الفقهيّ في هذا الدور يقطع مراحل حياته الأولى"7.


ويمكن تحديد ملامح هذا العصر في الخطوط الثلاثة التالية:


1- قلّة المدوّنات الحديثيّة واضطرابها في الجمع والتبويب.
2- عدم تبلور المسائل الخلافيّة بين المذاهب الفقهيّة الإسلاميّة بصورةٍ واضحةٍ.


60


3- عدم اتخاذ مقاييس للاجتهاد والفتيا فيما لا نصّ في مورده، ومعالجة الأحاديث الفقهيّة المتعارضة.


2- مدرسة الكوفة


في أخريات حياة الإمام الصادق عليه السلام، انتقلت مدرسة الفقه الشيعيّ من المدينة إلى الكوفة. وبذلك بدأت حياةٌ فقهيّةٌ جديدةٌ في الكوفة، حيث كانت آنذاك مركزاً صناعيّاً، وفكريّاً كبيراً، تقصده البعثات العلميّة والتجاريّة، فذكر البلاذريّ أنّ أربعة آلاف من رعايا الفرس وفدوا إلى الكوفة8، وقد أثّر وفود العناصر المختلفة إلى الكوفة طلباً للعلم، أو التجارة في التلاقح العقليّ والذهنيّ في هذه المدرسة. وقد هاجر إليها فوق ذلك وفود من الصحابة والتابعين، والفقهاء وأعيان المسلمين، من مختلف الأمصار، وبذلك كانت الكوفة، حين انتقل إليها الإمام الصادق عليه السلام وانتقلت إليها مدرسة الفقه الشيعيّ، من أكبر العواصم الإسلاميّة.


"وقد عدّ البراقي في تاريخ الكوفة 148 صحابيّاً من الذين هاجروا إلى الكوفة واستقرّوا فيها، ما عدا التابعين والفقهاء الذين انتقلوا إلى هذه المدينة، والذين كان يبلغ عددهم الآلاف، وما عدا الأسر العلمية التي كانت تسكن هذا القطر. وقد أورد ابن سعد في الطبقات ترجمة ل‍850 تابعيّا ممن سكن الكوفة"9. في مثل هذا الوقت انتقل الإمام الصادق عليه السلام إلى الكوفة أيّام أبي العباس السفاح، واستمرّ بقاؤه عليه السلام فيها مدّة سنتين.


61


وقد اشتغل الإمام الصادق عليه السلام هذه الفترة بالخصوص في نشر المذهب الشيعيّ، لعدم وجود معارضة سياسيّة قويّة، حيث سقطت في هذه الفترة الحكومة الأمويّة، وظهرت الحكومة العباسيّة، واغتنم الإمام الصادق عليه السلام فرصة الصراع على الحكم للدعوة إلى المذهب، ونشر أصول مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فازدلفت إليه الشيعة من كلّ فجٍّ زرافاتٍ ووحداناً تستقي منه العلم، وترتوي من منهله العذب، وتروي عنه الأحاديث في مختلف العلوم. قال الحسن بن علي بن زياد الوشاء لابن عيسى القميّ: "إنّي أدركت في هذا المسجد (يعني مسجد الكوفة) تسعمائة شيخٍ كلٌّ يقول: حدّثني جعفر بن محمّد عليه السلام "10.

يتبع ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2909-المدارس-الفقهيـّة-الشيعيـّة-1
تطوّر الفقه في مدرسة أهل البيت عليهم السلام http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2908-تطوّر-الفقه-في-مدرسة-أهل-البيت-عليهم-السلام&goto=newpost Fri, 22 Sep 2017 13:44:39 GMT تطوّر الفقه في مدرسة أهل البيت عليهم السلام أهداف الدرس 1. أن يتعرّف الطالب إلى الأدوار الثلاثة للفقه في مدرسة أهل البيت وخصائصها. 43 تطوّر الفقه في مدرسة أهل البيت عليهم السلام
أهداف الدرس


1. أن يتعرّف الطالب إلى الأدوار الثلاثة للفقه في مدرسة أهل البيت وخصائصها.


43


بداية التشريع


لقد كان المسلمون في راحةٍ في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من جهة التعرّف إلى أحكامهم الشرعيّة، وذلك لسببين رئيسين هما:


1- وجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بينهم، وهو مصدر التشريع الأساس بعد الله سبحانه، فهم كلّما تعرّضوا لمشكلةٍ سارعوا إليه في حلّها.
2- محدوديّة دائرة الدولة الإسلاميّة، وعدم مواجهة المسلمين للمشاكل والمسائل الكثيرة، كما حدث ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم. حيث احتاجوا إلى الفحص عن أحكامهم في كلّ مستجدّاتهم.


القرآن والعترة


كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بما سيواجه الأمّة من بعده من مشاكل ومسائل، فجعل مصدرين مهمّين يلجأ إليهما المسلمون في حلّ مشاكلهم، هما القرآن الكريم والعترة الطاهرة. وقد صرّح بذلك مراراً في طول حياته الشريفة، فقال: "إنّي تاركٌ فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما أن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً"1، فجعلهما في عرضٍ واحدٍ، وحثّ المسلمين على اتباعهم والتمسّك بهم. وبذلك يكون قد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنّ القرآن- وإن كان هو المصدر الأصيل


45


للتشريع- لكنّه يحتاج إلى مفسّرٍ، فجعل عترته الطاهرة- وهم الذين تربّوا في حجره وفي بيته الذي نزل فيه القرآن- هي المرجع في تفسيره.


وبعد أن واجه المسلمون مسألة الخلافة بعد الرسول، حصل الانشقاق بينهم إلى فريقين: الأوّل اتبع قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فتمسّك بالكتاب والعترة معاً، والآخر رفض التمسّك بالعترة وقال: " حسبنا كتاب الله"2. وكان لهذا الانشقاق أثره الكبير في كيفيّة التفكير، وحلّ المشكلات.


أدوار الفقه في مدرسة أهل البيت عليهم السلام


ويمكن حصر الأدوار التي مرّ بها الفقه في مدرسة أهل البيت عليهم السلام حتّى عصر الغيبة الكبرى في ثلاثة أدوار تقريباً هي:
1- من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى شهادة الإمام زين العابدين عليه السلام.
2- من بداية عصر الإمامين الصادقين عليهما السلام حتّى نهاية الغيبة الصغرى.
3- من بداية الغيبة الكبرى حتّى يومنا هذا.


لدور الأوّل


ويبتدئ هذا الدور من زمن وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتّى انتهاء القرن الأوّل. وتشمل هذه الفترة حياة أئمّةٍ أربعةٍ من أئمتنا، وهم عليّ بن أبي طالب، والحسن بن عليّ، والحسين بن عليّ، وعليّ بن الحسين عليهم السلام.


وكان مصدر التشريع في هذا العهد عند الشيعة أتباع أهل البيت عليهم السلام الكتاب والسنّة، ونقصد بالسنّة، قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام عليه السلام و فعلهما و تقريرهما.


وأمّا القياس والرأي فقد رفضهما أتباع هذه المدرسة رفضاً باتّاً كما تقدّم3.


46


وقد روي عن عليّ عليه السلام أنّه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه"4.


وأمّا الإجماع- مهما كان تفسيره- فهو ليس مصدراً للتشريع لدى هذه المدرسة، لأنّه لا يفيد إلا الظنّ و﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾5. نعم أصبح مصدراً عندما اعتبر كاشفاً عن رأي المعصوم عليه السلام، بمعنى أنّه لو اتفق العلماء على رأيٍ وانكشف منه أنّ ذلك الرأي مطابق لرأي الإمام عليه السلام فيجب الأخذ به.


وملخّص الكلام في هذه المرحلة: أنّ فهم الحكم الشرعيّ آنذاك عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام كان عبارةً عن الأخذ بظواهر الكتاب والسنّة. وكان أتباع هذه المدرسة يرجعون فيما يحدث لهم من مشاكل إلى الأئمّة عليهم السلام. وكان للأئمّة عليهم السلام دورٌ هامٌّ في بيان الأحكام في هذه المرحلة، لا سيّما الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، حيث كان يرجع إليه الصحابة في كلّ مشكلةٍ تواجههم لم يجدوا لها حلّاً.


الدور الثاني


ويبتدئ هذا الدور من أوائل القرن الثاني حتّى أواخر القرن الثالث، أي من بداية إمامة الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام حتّى نهاية الغيبة الصغرى. ومن أبرز ميّزات هذا الدور هو فسح المجال- في بدايته- للأئمّة عليهم السلام كي يمارسوا أعمالهم العلميّة، وذلك لأنّ المرحلة التي عايشها الإمامان الصادقان عليهما السلام كانت مرحلة انتقال الحكم من الأمويّين إلى العباسيّين، حيث كان الخلفاء مشغولين عن أهل البيت عليهم السلام بحروبهم الداخليّة، فاغتنم الإمامان الصادقان عليهما السلام هذه


47


الفرصة لنشر العلم عبر حلقاتٍ للدرس، تضمّ الكثيرين من روّاد المعرفة.


ولكن سرعان ما واجهت هذه المدرسة الضغط السياسيّ الشديد بعد استلام العباسيّين الحكم، حيث زجّوا بأئمّة الشيعة في السجون والمعتقلات، وفقدوا بذلك الفرصة المناسبة لنشر علومهم.


ويمكن القول إنّ استنباط الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسنّة- بالمعنى الاصطلاحيّ- كان أمراً رائجاً بين أصحاب الأئمّة عليهم السلام، خاصةً الذين تربّوا في مدرسة الإمامين الصادقين عليهما السلام أمثال زرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، وأبان بن تغلب، وغيرهم، حتّى أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يأمرون بعض أصحابهم باستنباط الأحكام وإفتاء الناس، كما أمر الإمام الباقر عليه السلام أبان بن تغلب أن يجلس في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويفتي الناس حيث قال له: "اجلس في مسجد المدينة، وافتِ الناس، فإنّي أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك"6، أو كما قال الإمام الصادق عليه السلام لسائلٍ سأله عن المسح على مرارةٍ وضعها على ظفره المقطوع: "يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجلّ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾7 اِمسح عليه"8. وهكذا نرى كيف يعلّم الإمام عليه السلام هذا السائل كيفيّة استنباط الحكم الشرعيّ من الكتاب.


ميّزات هذه المرحلة


لقد ضمّت مدرسة الإمام الصادق عليه السلام أكثر من أربعة آلاف من حملة العلم. وقد ألّف أربعمائة منهم أصولاً يُعتمد عليها في الفقه الجعفري عُرفت

يتبع ]]>
الأسئلة الفقهية الشيخ عباس محمد http://www.imamali.net/aqaed/vb/showthread.php?2908-تطوّر-الفقه-في-مدرسة-أهل-البيت-عليهم-السلام