النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الأفراط في المحبة

  1. #1
    عضو مميز
    تاريخ التسجيل
    May 2015
    المشاركات
    1,150

    الأفراط في المحبة

    الأفراط في المحبة

    قال الله تعالى في كتابه الحكيم : ( لا تحسبنّ الذين يفرحون بما أتوا ويُحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا ، فلا تحسبّنهم بمفازةٍ من العذاب ولهم عذابٌ أليمٌ ) (1).
    من عوام نشوء عقدة الحقارة ، الافراط في إبداء مظاهر الحب والحنان بالنسبة الى الطفل. إن الأطفال الذين يبذل لهم من العناية والحب اكثر مما ينبغي ينشأون في النتيجة معجبين بأنفسهم ، فيلاقون طيلة أيام حياتهم ، وخاصة عند مواجة مشاكل الحياة ، والشعور بالحقارة والضعة بشدة ، فيقدمون على أعمال غير مرضية... وقد يؤدي بهم الشقاء والضغط الروحي الى الجنون والانتحار.
    لقد ذكرنا في محاضرة سابقة أن المحبة ضرورية لنمو روح الطفل كالغذاء الضروري لنمو جسمه. وإن اهمية التوازن الصحيح في كمّ المحبة وكيفها وأسلوب إظهارها لا تقل عن أهمية المحبة ذاتها. وكما أن لكل من التقليل من الغذاء ، والإكثار منه ، وتسمّمه ، أثراً في بدن الطفل ، كذلك لكل من التقليل من المحبة ، والإكثار منه ، والإكثار منها ، والمحبة فير موضعها والتي ينحرف بها الطفل آثاراً مشومة في روح الطفل وتسبب له مشاكل كثيرة.

    الإعتدال في المحبة :
    الهدف من التربية الصحيحة هو أن تقرن حياة الطفل بالسعادة ، وتكلّل جهوده بالنجاح. إذ الحياة على طولها تتضمن صراعاً مع المشاكل وهكذا يواجه الفرد كثيراً من المنخفضات والمرتفعات والمعطفات والمصائب في مختلف أدوار حياته. والمربي القدير هو الذي يعمل على تنشئة جسم الطفل وروحه على أحسن الأساليب بحيث يعدّه للمقاومة والثبات أمام صعوبات الحياة.
    وكما أن جسم الطفل يقوي نتيجة للمراقبة الصحية ، والتواز في أكله ونومه وحركته ورياضته ، ويستطيع من مقاومة البرد والحر ، والجوع والعطش ، والمرض على أحسن وجه ، فكذلك روحه فإنها تنمو قوية في ظل الصحة الرويحة والتعاليم الخلقية ، والتوازن بين أساليب العطف والحنان والشدة والخشونة... وبذلك يتمكن من الصمود أمام المصائب والمشاكل والإندحارات الروحية.
    وبالعكس فإن الأطفال الذين يواجهون المحبة والرأفة الزائدتين ، ويستسلم لهم آباؤهم وأمهاتهم بدون أي قيد أو شرط ، ويستجيبون لجميع مطاليبهم من صالح أو طالح ، وبالتالي ينشأون على الاستبدادب والاعجاب بالنفس... فإنهم يحملون أرواحاً ضعيفة ونفوساً سريعة الانهزام من ساحة المعركة ، ويتأثرون من دور الطفولة حتى آخر لحظة من العمر من مواجهة أبسط الأشياء ، وأخف المصائب ، وينكسرون أمام مشاكل الحياة بسرعة.
    الاطفال المدللون :
    يقول ( ريموند بيج ) : « يجب أن ننبه على بعض الأخطاء في السنين الأولى من حياة الطفل. واكثرها شيوعاً هو الأسلوب الذي يؤدي إلى غرور الطفل وأنانيته إن المحبة بدون سبب في الأيام الأولى هي التي تسبب غرور الطفل وأنانيته ». « إن الآباء والأمهات يأملون في الطفل النجاح والسعادة طبعاً ، ولهذا فهم يرأفون به أشد الرأفة ، ويتملقون له ويبعدون كل عقبة أو مشكلة حتى لو كانت تافهة عن طريقه... وكلما كبر الطفل حاولوا تهيئة وسائل اللعب المناسبة له. إن هذه الأعمال تستوجب الاستحسان في الظاهر. أما في الباطن فإن الخطر الكامن وراءها موحش جداً ». « إن الفرد الناشيء في ظل الرأفة الزائدة لا يطيق المقاومة أمام تقلبات الحياة ، ولا يستطيع الصراع معها » (2) .
    الإفراط في المحبة :
    لقد حذرت الشريعة الإسلامية الغراء أولياء الأطفال في أسلوب تربيتهم من الإفراط في المحبة. إن الذين يفرطون في الرأفة بأطفالهم ، ويدفعونهم بسلوكهم الأهوج هذا إلى الأعجاب بأنفسهم ، ملومون من قبل الأئمّة عليهم السلام. فعن الإمام الباقر عليه السلام انه قال : « شرّ الآباء من دَعاه البرّ الى الإفراط ، وشرّ الأبناء من دَعاة التقصيرُ إلى العُقوق » (3).
    إن العواقب السيئة التي يلاقيها الأطفال نتيجة الإفراط في المحبة تجاههم مهمة جداً وخطرة. ولهذا السبب يعرّف الإمام عليه السلام الآباء الذين يفرطون في التظاهر بالحب والحنان لأطفالهم بأنهم شر الآباء.
    إن الطفل مفطور على حب الحرية... إنه يرغب في أن يعمل ما يريد ، ويمدّ يده الى ما يشاء ، ألا يمتنع أحد من تنفيذ ما يطلب ، ولكن ذلك غير صالح للطفل ، لأنه لا يميز الحسن من القبيح ، ولا يفهم الخير من الشر (4) . إن المربي الصالح هو الذي يسير وفق مقتضيات العقل في الإستجابة لمطاليب الطفل ، فيعمل على تحقيق مصلحة الطفل مع العطف والحنان عليه ، ويمنعه متى كان طلبه يخالف صالحه ، بكل صرامة ، متبعاً في ذلك مختلف الوسائل ، من النظرة الشزراء ، والإهمال الموقت وما شاكل ذلك.
    الطفل المتعنت :
    إن الطفل الذي كان يحكم لسنين طوال في محيط أسرته باستبداد ، وكان أبواه مطيعين له بلا قيد أو شرط ، ينشأ ـ بالطبع ـ معجباً بنفسه ، ويتوقع من جميع الرجال والنساء أن يطيعوه كما يطيعه أبواه ، وينفذوا أوامره بدون ترديد. وبديهي أن شخصاً كهذا يتنفر منه الناس ويبتعدون عنه. وينظرون إليه يعين السخط والاحتقار. وهذا من الآثار السيئة للرضا عن النفس.
    1 ـ قال الإمام الهادي عليه السلام : « من رضي عن نفسه كثُر الساخطون عليه » (5) .
    2 ـ وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : إيّاك أن ترضى عن نفسك فيكثَر الساخطُ عليك » (6) .
    3 ـ وعنه عليه السلام أيضاً : « من رضي عن نفسه كثر الساخطُ عليه » (7) .

    اقتباس العادات :
    يتصور البعض أن المولود الجديد قطعة من اللحم الحي ، يحتاج الى الغذاء والنوم فقط. ويجب أن يمر عام كامل على حياته ـ على أقل تقدير ـ حتى تستيقظ المشاعر عنده تدريجياً ، وعند ذاك يتمكن الآباء والأمهات من الابتداء بتنمية العادات الحسنة في الطفل. وبعبارة أخرى : يظن هؤلاء أن الغذاء المادي للطفل يبدأ من يومه الأول، أما حاجته الى الغذاء الروحي فإنها تبدأ بعدم عام من ولادته على الأقل.
    إن هذا التصور خطأ فاحش. فإن الطفل يستجيب في الأسابيع الأولى من حياته بفضل غرائزه واستعداداته للعادات والمؤثرات، بحيث لو كانت سيئة فإنها تمنع من الإنطباع على العادات الحسنة.
    « يملك الطفل المتولد حديثا غرائز وانطباعات، ولكنه يفقد العادات. ان جميع العادات التي حصل عليها في الرحم لا أثر لها في أحواله بعد الولادة. ففي بعض الأحيان يجب تعليم المولود كيفية التنفس. إن الغريزة الوحيدة التي يحملها حينذاك، والتي تكون قد نمت نمواً حسناً هي غريزة مص الثدي والارتضاع. وعندما يشتغل بالإرتضاع يأنس بالمحيط الجديد، وتمرّ عليه سائر أوقات يقظته في حالة عدم شعور مبهم، وإنما يتخلص من هذه الحالة في ساعات النوم التي تستغرق اكثر ساعات اليوم... ثم تتغير جميع هذه الأوضاع من بعد أسبوعين ، فيحصل الطفل من تجاربه التي تتكرر عليه خلال هذه المدة بصورة منتظمة على انطباعات يتذكرها حينذاك. ولعل تذكره ذاك يكون أكمل وأكثر من كل الأزمنة اللاحقة ، ويتنفر من تغيير كل ما اعتاد عليه وأنس به ».
    « ان السرعة التي يسير بها الطفل في اكتساب العادات عجيبة. وسيكون حصوله على كل عادة سيئة في أولى أدوار الطفولة سداً أمام اكتسابه العادات الحسنة. ولهذا يعتبر التعوّد على العادات في أوائل أيامه مهماً للغاية. إذ لو كانت العادات الأولية حسنة فسوف نتخلص في المستقبل من الترغيبات وبواعث التشجيع والإطراء التي لا تتناهى ، هذا مضافاً الى أنه يبقى في جميع أدوار حياته المقبلة متطبعاً على الغزائز المكتسبة في أوائلها وستظل مهيمنة عليه. ولا يمكن للعادات التي اكتسبها فيما بعد المنافية لها الوصول الى تلك الدرجة من الهيمنة والقوة. ولهذا يجب أن يُراعي موضوع العادات الأولية رعاية تامة. إن الأطفال الرضع محتالون اكثر مما يتصوره الأشخاص البالغون والكبار ، لأنهم عندما يرون أن نتائج البكاء أنفع لهم فإنهم بلا شك يستعملون هذه الطريقة ، وعندما يرون بعد ذلك أن البكاء والعبوس يسبب النفور والاستياء منهم بدلاً من الحنان عليهم يتعجبون وتكون الدنيا في أنظارهم تافهة لا فائدة فيها ».
    « إذن فالوقت المناسب والصحيح الذي يجب فيه البدء بالتربية إنما هو لحظة الولادة. لأنه هذا الوقت هو الذي يمكن البدء فيه من دون وجود إحتمال لليأس والفشل. أما لو شرع في التربية بعد هذا الحين فإننا سوف نضطر الى مقاومة العادات المنحرفة التي اكتسبها. وفي النتيجة فإن من يحاول القيام بالمهمة التربوية بعد هذه الفترة ، يقع مورداً للإنتقاد ويلاقيه الفشل حتماً » (8).
    أساس السلوك :
    إن العادات المرضية أو غير المرضية تمد جذورها في نفس الطفل منذ الأسابيع الأولى. فالصفات التي يعتاد عليها في دور الطفولة تنفذ الى اعماق روحه ويصعب تغييرها بعد ذلك.
    فالصفات التي يعتاد عليها في دور الطفولة تنفذ الى اعماق روحه ويصعب تغييرها بعد ذلك.
    وكما أن الآباء والأمهات الواعين يراقبون غذاء الطفل المادي من يوم ولادته، و يغذونه بتوازن صحيح، و مواعيد مضبوطة طبقاً للطرق العلمية الناجحة...كذلك عليهم أن يهتموا من ذلك الحين بتغذيته الروحية، و يؤدبوا الطفل حسب منهاج تربوي صحيح، و يعودوه على العادات الحسنة.
    والآن أتصور أنه قد اتضح ما أردنا الإجابة عليه من السؤال الذي أثرناه في بداية البحث ، وثبت لزوم القيام بتحديد المحبة تجاه الطفل، والمنع من نشأته أنانياً ومعجباً بنفسه منذ الأسابيع الأولى من حياته.
    إن الطفل الذي مرّ عام كامل على حياته، يكون قد ترك وراء ظهره مراحل تربوية عديدة. فإذا نشأ الطفل عامة ذاك نتيجة لمحبة والديه المفرطة وغير المناسبة، ومعجباً بنفسه، فإن اصلاحه صعب جداً.
    « والخلاصة : ان الاسس والركائز الخلقية للطفل تصب في الأشهر المبكرة من عمره. وبعد مضي سنة واحدة ـ حسب كيفية تربية الوالدين ـ فإما أن يكونا قد أوجدا إنساناً له الكفاءة والاستعداد لتقبل النظام والإنضباط ، أو يكون فاقداً لهذا الإحساس بالمرة » « لا شك أنه سيأتي زمان لا نقدر فيه على القيام بأي عمل من شأنه إصلاح تربية الطفل وتعديل سلوكه لأننا نسينا واجبنا تجاه التربية الأولية للطفل... التربية التي فكرّنا فيها أقل من تفكيرنا في سائر الأعمال الإعتيادية » (9).
    كيف نوازن في المحبة ؟
    الموضوع الثاني الذي يلزم أن يتضح من هذا البحث هو كيفية التوازن والتعديل في المحبة والحنان ، ولا ريب أن الأطفال كما لهم الرغبة في الغذاء والهواء وسائر الحاجات الطبيعية كذلك لهم رغبة فطرية نحو الحنان والمحبة ، فيلزم الاستجابة لهذه الرغبة الطبيعية بدورها حسب أسلوب صحيح تشبع تلك الرغبة ، وترضي الطفل ، فيربّي حسب السنة الخلقية والفطرية.
    إن الواجب الدقيق والثقيل على الأبوين في تحسين تربية الطفل هو أن يعلما متى معاملته بالحنان والمحبة ، ومعرفة المقدار الذي يجب القيام به حينئذاك ، لأن نشوء الطفل أنانياً ومعجباً بنفسه حصيلة أحد أمرين : المحبة حيث لا داعي لها ، أو الإكثار منها مع وجود المقتضي اليها.
    ولبيان الأخطاء التربوية ، يمكن التمثيل بعشرات الأمثلة للعواطف التي يبرزها بعض الآباء والأمهات الجاهلين من غير داع لها ، نذكر ثلاثة نماذج منها عسى أن ينتبه المستمعون الكرام الى غيرها بفضل ذكائهم الفطري.

    العناية بالطفل في مرضه :
    1 ـ من الموارد التي يتحبب الآباء والأمهات الغافلون الى الأطفال بصورة مفرطة ، وربما يكون ذلك في غير محله ، إذ قد ينشأ الطفل نتيجة لذلك معجباً بنفسه... هو عندما يتمرض الطفل ويكون مستلقياً على فراض الألم.
    إن الوالدين العاقلين يستعدان في هذه المناسبة للعناية به وعلاجه ، فيأتيان بالطبيب ويحضران له ما يناسبه من غذاء ودواء ، ويسجلان درجة حرارة الطفل في ساعات الليل والنهار. يكون الأب والأم أمام عيني الطفل الفاحصتين كممرضين يقومان بواجبهما ، ويوحيان الى الطفل ان حالتنا وحالتك طبيعية إلاّ أنه حدث أن تمرضت وحُرمت لذلك من الركض واللعب وأكل الطعام العادي. إننا ننفذ أوامر الطبيب تجاهك ، وبجب أن نطيعه في استعمال الدواء وزرق الابرة ، وستبرأ طبعاً بعد أيام قليلة. وعلى فرض أن الأبوين متأثران في الواقع لمرض الطفل ، فإنهما يظهران أمامه الوضع الإعتيادي ، ولا يسببان إحساس الطفل بتشوشهما واضطرابهما.
    أما بعض الآباء والأمهات فإنهم يضطرون ويرتكبون... ويظهرون إضطرابهم الشديد هذا للطفل ، ويجلسون عنده ناظرين إليه وآثار التألم بادية عليهم ، يبكون ، يمسحون بأيديهم على رأسه ويتكلمون معه بتوجع واضطراب ، وربما يقبّلون وجهه المحموم ، ويحنّون عليه قدر المستطاع ، ويعتبرون مرضه حادثاً جللاً ، ويفهمونه ـ عملياً ـ أنهم جميعاً فاقدون راحتهم واطمئنانهم ، فيترك الأب عمله ، وتنسى الأم كل شيء ، وتضطرب الأسرة كلها لمرضه.
    هذه الأعمال الفارغة التافهة ليس لها أقل تأثير في معالجة المريض ، لكنها من الجانب الآخر تفسد أخلاق الطفل وتمنحه الكثير من الأنانية ، فيعتقد الطفل بذلك أن له قيمة كبيرة ويقول في نفسه : أنا صاحب هذه الأهمية والمكانة ، أنا الذي يسبب مرضي اضطراب العائلة وارتباكها ، ويجلب الأنظار نحوي.
    إن مرض الطفل يزول ، ولكن تبقى هذه النظرة الخاطئة في أعماق فكره ، فيتوقع دائماً من أبويه وسائر الناس أن يحترموه لدرجة كبيرة ، ويعجبه حين أبتلي بصداع أن يضطرب له جميع الناس فضلاً عن أفراد اسرته.

    تمارض الطفل :
    وقد يتمارض كي يلتذ من حنان أبويه ويسكن الى محبتهما له. وحين يكبر هذا الطفل على هذا التصور الخاطىء ويرى عدم اعتناء الناس به ، وعدم اضطراب أحد لمرضه. فمن الواضح أنه يستصغر نفسه ويحس بالحقارة في ضميره الباطن.
    اللحظات الحاسمة :
    2 ـ طفل حديث عهد بالحركة ، يلعب بمحضر والديه في الغرفة ، وبيده كرة صغيرة ، يرميها كذلك ، ويكرر هذا العمل.. في إحدى المرات تصل الكرة الى جانب الجدار ويأتي الطفل منحنياً ليرفعها فترتطم جبهته بالجدار... إن هذه الصدفة تعتبر للطفل جديدة ولا يعلم ما ينبغي أن يكون موقفه منها. هل يبكي أو يضحك أو يسكت ؟ ! فهو متحير... ينظر إلى أبويه كي يطلع على مدى تأثير هذه الصدفة فيهم ، وعند ذاك يظهر ردّ الفعل المناسب تجاهها. ليس للطفل رأي في الموضوع ، بل إنه يفعل ما فعله والداه ، فإن ضحكا يضحك ، وإن تألما يبكي ، وإن سكتا يسكت ويستمر في لعبه.
    إن هذه اللحظة ولحظات أخر مثلها شديدة التأثير في الطفل من الوجهة التربوية ، فإن سلوك الوالدين السيء تجاه مواقف كهذا يترك أثراً سيئاً في نفسية الطفل.


    يتبع

  2. #2
    عضو مميز
    تاريخ التسجيل
    May 2015
    المشاركات
    1,150
    إن الآباء والأمهات الواعين لا ينظرون في هذه الأحيان الطفل أصلاً ، ولا يعتنون بتوقعه العطف والحنان منهما ، ولا يعتبرون هذه الصدفة شيئاً ، وبذلك كله يفهمون الطفل عملياً أن الارتطام بالجدار ، والسقوط على الأرض ، وما يشبه ذلك حوادث اعتيادية في حياة الإنسان.
    أما الآباء والأمهات الواعين لا يظهرون أي رد فعل للحادثة ، ولكنهم يستفيدون من تلك الفرصة فينصحون الطفل قائلين له : عندما تقترب من الجدار أو العمود ، تأخر قليلاً حتى لا ترتطم جبهتك بالحائط عندما تنحني.
    أما الأباء والأمهات الغافلون فإنهم يظهورن في مثل هذه الحوادث حناناً مفرطاً ، فيضمون الطفل الى صدورهم ويقبلونه ، ويمسحون بأيديهم على جبهته أو ما تألم من أعضائه ، ويظهرون التأثر والتألم لما حدث للطفل وربما يضربون الأرض أو الجدار ترضيه للطفل ، فيبدي رد الفعل أمام كثرة ما يلاقيه من حب وحنان ، ويرفع صوته بالبكاء والعويل ، ويسكب الدموع ، ويرى نفسه أهلاً للحنان بالنسبة لما حدث له... وعندما تتكرر محبة الوالدين الفارغة في حوادث أخر مشابهة لهذه الحادثة ، تتولد جذور الصفة الرذيلة ( الإعجاب بالنفس ) في ضمير الطفل تدريجياً ، ويكبر الطفل على الدلّ ، ويتوقع الحنان والمحبة لكل حدث حقير يقابله.
    ينشأ الطفل مع هذا التوقع الخاطىء ، ويترك مرحلة الطفولة منتفلاً الى المراحل الأخرى من حياته ، ويقابل في المجتمع آلاماً كبيرة فلا يتحبب اليه أحد خلافاً لما كن يتوقعه... حينذاك يتألم ، ويحس في نفسه بالدناءة ويصاب يعقدة الحقارة ، فيقضي حياته كلها بالتعاسة والشقاء.
    إن محبة الوالدين التافهة هي التي أدت الى هذا المصير... فشرّ الآباء من دعاه البر الى الإفراط.
    بين الخوف والرجاء :
    يجب أن يعامل الطفل في البيت بين الخوف والرجاء دائماً ، يرجو من أبويه المحبة ويخاف منهما الغضب والشدة. يجب أن يعتقد الطفل أنه ليس حراً في إرتكاب الأعمال القبيحة وسيؤاخذ عليها. يجب أن تتوفر في الأسرة : المحبة والشدة والتغافل والمحاسبة ، والترغيب والإهمال... كل في محله ، وعلى الآباء والأمهات الاتصاف بهذه الصفات في كل مورد مناسب حتى ينشأ الطفل وفق تربية صحيحة.. في محيط كهذا يحس الطفل بالمسؤولية ولا ينشأ معجباً بنفسه أبداً.

    « يلزم القيام بكل ما هو ضروري لصحة الطفل وحفظ سلامته. فحينما يشكو الطفل من الزكام فلا بد من مراقبة مزاجه وحفظه في مكان دافىء بعيداً عن البرد والرطوبة.. لكنه لو بكى بدون علة محسوسة يلزم تركه على حاله يصيح أنى يشاء. فلو عومل بغير ذلك نشأ بصورة حاكم مستبد ، اما عندما يكون الإهتمام به ضرورياً فلا بد أن يكون ذلك بدون إفراط ، بل يجب الاقتصار على قدر الضرورة. وهكذا لا يفرط في العطف تجاهه ، ولا يصح مطلقاً أن يؤخذ الطفل في مرحلة من مراحل حياته كآلة لهو ، بل لا بد أن ننظر إليه من أول أمره نظرة اهتمام وجدّ ، ونظرة داعية الى أن هذا الطفل سيبلغ في غد ويصبح عضواً بارزاً في المجتمع ».
    « لا ريب أنه لا يمكن للطفل أن يستوعب جميع عادات الأفراد البالغين ولكن علينا الإبتعاد عما يقف حاجزاً في طريق اكتسابه هذه العادات ، وبصرف النظر عن ذلك يجب أن لا نوجد في الطفل الإحساس بأهمية نفسه ، الإحساس الذي ستؤلمه التجارب المستقبلة ، ولا يطابق الواقع في حال من الأحوال... إن الطفل لو لم يراقب بدقة فإنه سيشعر بذلك ويحكم بأهمية نفسه الى درجة إحساس أبويه بذلك ، وسوف لا ينظر إليه المجتمع في الحياة المقبلة نظرة الإستحسان والتقدير ، وستؤدي عاداته التي سببت أنانيته بحيث يرى نفسه ذا مكانة عظيمة في الأوساط إلى اليأس والحرمان » (10).
    قال الإمام الباقر عليه السلام : « شرّ الآباء من عداه البرّ الى الإفراط ».
    درس الجلد والثبات :
    يجب أن يلقن الطفل منذ اليوم الأول درس الجلد والثبات ويعوّد على كيفية مجابهة مشاكل الحياة برحابة صدر. يجب أن يتربى شجاعاً وصلباً ، وعلى الوالدين أن يهتما بذلك أيما إهتمام ، فإن الإعجاب بالنفس لا ينسجم وقوة الإرادة بحال من الأحوال.
    إن غريزة حب الأولاد حجاب يُسدل على العقل فيمنعه عن مشاهدة الحقائق، فإذا انضم إلى ذلك الجهل والإهمال من قبل الوالدين في تطبيق الأساليب التربوية الصالحة، أدى ذلك الى انحرافهما عن الصراط المستقيم الذي يجب عليهما أن يسلكاه في التربية، فتجدهما يهملان الجوانب الدينية والعلمية المهمة، ويفرطان في معاملة الطفل بالحب والحنان، الأمر الذي يتضمن بين طياته آلاف المشاكل والصعوبات. وفي الحقيقة فإن هذا الإفراط في المحبة لا يعدو أن يكون عداءً في مظهر الحب.
    إن تربية كهذه لا يرضى بها الدين ولا يوافق عليها العلم. إن الآباء والأمهات الذين يظلمون اولادهم بالافراط في المحبة تجاههم يتسببون في نشأتهم على الإعجاب بالنفس ، ولذلك فهم مسؤولون أمام الله في تعريض أطفالهم الى الانحراف والشفاء.
    تذكروا دائماً حديث الإمام الباقر عليه السلام ، يحث يقول : « شرّ الآباء من دعاه البر إلى الإفراط ».

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
    ( 1 ) سورة آل عمران | 188.
    ( 2 ) عن كتاب بالفارسية نحن و ابنائنا "ما وفرزندان ما ص 39".
    ( 3 ) تاريخ اليعقوبي ج3|53.
    ( 4 ) وبصورة عامة يجب أن نفهم الطفل بأن الحرية المطلقة ليست إلاّ الهمجية ، والفوضى ، والحيوانية. ولا يتسنى ذلك في الأدوار الأولى التي لا يفهم فيها الطفل كثيراً من الفكر العلمية والآراء التي يجب أن يتبناها الفرد الصالح في حياته... وعليه فيجب إفهامه بأن بأن هناك حواجز وموانع تقف في سبيل تنفيذ الفرد رغباته بصورة مطلقة ، وذلك بالوقوف أمام الأعمال العابثة والضارة التي تصدر منه. عندئذ يفهم الطفل جيداً أنه يجب أن يتقيّد بالأوامر والأعراف والتقاليد النافعة ,ان لا يتعداها. أما إذا فسح له المجال في أن يعمل ما يريد ، ويذهب أين شاء ، فلذلك يؤسس ركيزة الأيديولوجية الفردية الاستبدادية التي ترى أن الفرد يستطيع أن يحقق لنفسه ما يريد وإن أضرّ ذلك بمصالح الجماعة ، وأخلّ بالمثل التي يتبناها بنو جنسه
    ( 5 ) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17|215.
    ( 6 ) غرر الحكم ودرر الكلم ص 147.
    ( 7 ) نفس المصدر ص 424.
    ( 8 ) عن كتاب بالفارسية في التربية "در تربيت، ص 57".
    ( 9 ) عن كتاب بالفارسية نحن و ابنائنا "ما وفرزندان ما ص 39".
    ( 10 ) عن كتاب بالفارسية في التربية "در تربيت، ص 56".

  3. #3
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    المشاركات
    94
    ربي يجزاك خير الجزاء
    على هذا الاختيار الرائع المبارك
    الله يوفقكم لكل ويقضي حوائجكم للدنيا والأخرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •