ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ البقرة: ٧٤
لقسوة القلب أسباب وعلل، تؤثر فيه، وتوجده من عدم، بعد ان لم يكن شيئاً مذكوراً، فصاحب رقة الفؤاد، ولين الجناح والعريكة، لا يظن نفسه آمناً من قساوة القلب، ما دام إلى أسبابه وعلله سبيلاً، وبالعكس مع صاحب القسوة والطبع الغليظ المتصلب، فإن بإمكانه أن يكون رقيقاً وحنوناً عند إقلاعه من أسباب ومؤثرات القساوة، وإبدالها بأسباب الرقة واللين والحنان.
والقسوة هي حالة باعثة على عدم التألم والتأثر بالحالات أو الأقوال والافعال الباعثة على الرقة واللين، فهو لا يتأثر ببكاء يتيم، أو استنصار مظلوم، أو استرحام فقير ومسكين، وهو مرض روحي خطير يصيب فؤاد الإنسان، ويجعله أرضاً بوراً، لا خير فيها ولا نفع.
من هنا نعرف كيف ساقت الآية المباركة -التي استفتحنا الحديث بها- الحديث حول القسوة، وكيف شبهتها بالحجارة، بل أشد قسوة وصلابة، لما كان من تراكم الذنب على الذنب، والمعصية على المعصية، والخطيئة على الخطيئة.
ولا نريد التوسع في مقدار ونوع المعاصي التي تعاطاها بنو إسرائيل حتى قست قلوبهم، بقدر ما نريد الإشارة إلى كلمة كلية، وسبب جامع لقساوة القلب ، وهو الابتعاد والنأي عن الله تعالى، وهذا السبب جامع لكل المعاني التي ذكرها أرباب الاخلاق والتفسير، من قبيل الذنوب والغفلة وطول الأمل وغيرها، نعم أوغل بنو إسرائيل بالمعاصي والذنوب إيغالاً استحقوا أن يكونوا مثلاً وعبرةً للآخرين، فقتلوا الأنبياء، واستحيوا النساء، ونقضوا العهود مع الله تعالى، فقست قلوبهم وكانت كالحجارة بل أشد.
ولو تتبعنا اليوم شارعنا لوجدنا أن أسباب القساوة متحققة، على المستوى الفردي والاجتماعي، وعلى مستوى المسؤولين وغيرهم، مما تسبب ذلك في قساوة القلوب، فوقعت الجرائم، وأهمل الفقير، ولم يرعَ المطالب بحقه، ولم تسمع شكاية المظلوم، وهذا كله سببٌ كامل في ازدياد القساوة والغلظة والجفاوة.
ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (أربع يمتن القلب: الذنب على الذنب، وكثرة مناقشة النساء - يعني محادثتهن - ومماراة الأحمق تقول ويقول ولا يرجع إلى خير [أبداً]، ومجالسة الموتى، فقيل له: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وما الموتى؟ قال كل غني مترف) الخصال: 228