العربية
100%
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)

الخطبة 88: في الرسول الاعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وبلاغ الامام عنه

[88] ومن خطبة له (عليه السلام) ([1])

[في الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) وبلاغ الإمام عنه]

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَترَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ([2]) مِنَ الأُمَمِ، وَاعْتِزَامٍ([3]) مِنَ الْفِتَنِ، وَانْتِشَارٍ مِنَ الأمُورِ، وَتَلَظٍّ([4]) مِنَ الْـحُرُوبِ، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَاغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ أعْلامُ الْـهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلاَمُ الرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأهْلِهَا([5])، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ، وَشِعَارُهَا([6]) الْـخَوْفُ، وَدِثَارُهَا([7]) السَّيْفُ.

فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللهِ، وَاذْكُرُوا تِيكَ الَّتي آبَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ، وَعَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ، وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلا بِهِمُ الْعُهُودُ، وَلا خَلَتْ فِيَما بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الأَحْقَابُ([8]) وَالْقُرُونُ، وَمَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمٍ كُنْتُمْ فِي أَصْلاَبِهِمْ بِبَعِيدٍ.

وَاللهِ مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) شَيْئاً إِلاَّ وَهَا أَنَا ذَا الْيَوْم مُسْمِعُكُمُوهُ، وَمَا أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالأَمْسِ، وَلا شُقَّتْ لَـهُمُ الأبصَارُ، [وَلا] جُعِلَتْ لَـهُمُ الأَفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الأَوَانِ، إِلاَّ وَقَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هذَا الزَّمَانِ. وَوَاللهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ، وَلا أُصْفِيتُمْ بِهِ وَحُرِمُوهُ، وَلَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلاً خِطَامُهَا([9])، رِخْواً بِطَانُهَا([10])، فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ، فَإِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ، إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ.

 


[1] ـ رواها باختلاف الكليني (ت 329) في الكافي 1: 60 ح 7 : «محمّد بن يحيى، عن بعض أصحابه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أميرالمؤمنين (عليه السلام)...». والقمي (ق 3) في تفسيره 1: 3.

[2] ـ الهجعة: النوم ليلاً.

[3] ـ اعتزم الفرس في عنانه: إذا مرّ جامحاً لا ينثني.

[4] ـ التلظي: التلهّب.

[5] ـ متجهّمة لأهلها: كالحة في وجوههم.

[6] ـ الشعار: ما ولي الجسد من الثياب.

[7] ـ الدثار: كل ما كان من الثياب فوق الشعار.

[8] ـ الأحقاب: المدد المتطاولة.

[9] ـ الخطام: ما جُعل في أنف البعير لينقاد به، وجولان الخطام: حركته وعدم استقراره.

[10] ـ بطان البعير: حزام يُجعل تحت بطنه، ومتى استرخى كان الراكب على خطر السقوط.