العربية
100%
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)

الخطبة 104: في بعض صفات الرسول الكريم وتهديد بني أمية وعظة الناس

[104] ومن خطبة له (عليه السلام) ([1])

[في بعض صفات الرسول الكريم وتهديد بني أمية وعظة الناس]

حَتَّى بَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً (صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّم)، شَهِيداً، وَبَشِيراً، وَنَذِيراً، خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً، وَأَنْجَبَهَا([2]) كَهْلاً، أَطْهَرَ الْـمُطَهَّرِينَ شِيمَةً، وَأَجْوَدَ الْـمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً([3]).

فَمَا احْلَوْلَتِ الدُّنْيَا لَكُمْ فِي لَذَّتِهَا، وَلا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلاَفِهَا([4]) إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا([5])، قَلِقاً وَضِينُهَا([6])، قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْـمَخْضُودِ([7])، وَحَلاَلُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ، وَصَادَفْتُمُوهَا، وَاللهِ، ظِلًّا مَمْدُوداً إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ، فَالأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ([8])، وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ، وَأَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ، وَسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وَسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ.

أَلَا إِنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً، وَلِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً، وَإِنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْـحَاكِمِ في حَقِّ نَفْسِهِ، وَهُوَ اللهُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ، وَلا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ. فَأُقْسِمُ بِاللهِ، يَا بَنِي أُمَيَّةَ، عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَفِي دَارِ عَدُوِّكُمْ، أَلا إِنَّ أبْصَرَ الأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْـخَيْرِ طَرْفُهُ؛ أَلاَ إِنَّ أَسْمَعَ الأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وَقَبِلَهُ.

أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحِ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ، وَامْتَاحُوا([9]) مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ([10]) مِنَ الْكَدَرِ. عِبَادَ اللهِ، لا تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ، وَلا تَنْقَادُوا لاَِهْوَائِكُمْ؛ فَإِنَّ النَّازِلَ بِهذَا الْـمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ([11])، يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، لِرَأْي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لا يَلْتَصِقُ، وَيُقَرِّبَ مَا لا يَتَقَارَبُ، فَاللهَ اللهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لا يُشْكِي شَجْوَكُمْ([12])، وَلا يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ.

إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الإِمَامِ إلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ: الإِبْلاَغُ في الْـمَوْعِظَةِ، وَالاجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ، وَالإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ، وَإِقَامَةُ الْـحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا، وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ([13]) عَلَى أَهْلِهَا. فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ([14])، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ([15]) الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، وَانْهَوْا عَنْ الْـمُنْكَرِ وَتَنَاهَوْا عَنْهُ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْي بَعْدَ التَّنَاهِي!

 


[1] ـ ذكرها باختلاف الإسكافي (ت 220) في المعيار والموازنة: 277، وروى القمي (ت 329) في تفسيره من قوله: «واعلموا أنّ لكلّ حق طالباً» الى قوله: «وهو الله»، وروى ابن شعبة (ق4) في تحف العقول: 235 من قوله: «انّ أبصر الأبصار» الى قوله: «وعى التذكير وانتفع به»، وروى الطبري الإمامي (ق4) في المسترشد: 403 من قوله: «أيّها الناس استصبحوا»، والشيخ المفيد (ت 413) في الإرشاد 1: 276 من قوله: «ألا انّ لكلّ دم ثائراً» الى قوله: «وفي دار عدوّكم»، وشرح ابن الأثير (ت 606) في النهاية غريبها، راجع: 2: 39، 483، 3: 58.

[2] ـ أنجبها: أكرمها.

[3] ـ الديمة: مطر يدوم، والمستمطر: من يطلب المطر.

[4] ـ الخلف: حلمة ضرع الناقة.

[5] ـ جائلاً: من الجولان، والخطام: الزمام.

[6] ـ الوضين: حزام السرج والقتب.

[7] ـ المخضود: الذي خضد شوكه أي قطع.

[8] ـ شاغرة: خالية، شغر المكان أي خلا.

[9] ـ الامتياح: نزول البئر وملء الدلاء منها.

[10] ـ روّقت: صفيت.

[11] ـ الجرف: ما تجرفه السيول، والهار: المشرف على الانهدام.

[12] ـ الشجو: الحاجة أو الهمّ والحزن.

[13] ـ إصدار السهمان: إعادتها الى أهلها.

[14] ـ تصويح النبت: يبسه.

[15] ـ الاستثارة: طلب الثور، وهو السطوع والظهور.