العربية
100%

[149] ومن كلامه(عليه السلام) قبل موته([1])

أَيُّهَا النَّاسُ، كُلُّ امْرِئ لَاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ، وَالأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ([2])، وَالْـهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ. كَمِ اطَّرَدْتُ([3]) الأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هذَا الأَمْرِ، فَأَبَى اللهُ إلَّا إِخْفَاءَهُ، هَيْهَاتَ! عِلْمٌ مَخْزُونٌ!

أَمَّا وَصِيَّتِي: فَاللهَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَمُحَمَّداً فَلَا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ، أَقِيمُوا هذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ، وَأَوْقِدُوا هذَيْنِ الْـمِصْبَاحَيْنِ، وَخَلَاكُمْ ذَمٌّ([4]) مَالَمْ تَشْرُدُوا([5])، حُمِّلَ كُلُّ امْرِئ مَجْهُودَهُ، وَخُفِّفَ عَنِ الْـجَهَلَةِ، رَبٌّ رَحِيمٌ، وَدِينٌ قَوِيمٌ، وَإِمَامٌ عَلِيمٌ.

أَنَا بِالأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ! غَفَرَ اللهُ لي وَلَكُمْ! إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَةُ([6]) فِي هذِهِ الْـمَزَلَّةِ فَذَاكَ، وَإِنْ تَدْحَضِ([7]) الْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ([8]) أَغْصَانٍ، وَمَهَابِّ رِيَاحٍ، وَتَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ، اضْمَحَلَّ فِي الْـجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا([9])، وَعَفَا فِي الأرْضِ مَخَطُّهَا([10]).

وَإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً، وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلاَءً([11]): سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ، وَصَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ، لِيَعِظْكُمْ هُدُوِّي، وَخُفُوتُ إِطْرَاقِي، وَسُكُونُ أَطْرَافِي، فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْـمَنْطِقِ الْبَلِيغِ وَالْقَوْلِ الْـمَسْمُوعِ.

وَدَاعِيكُم([12]) وَدَاعُ امْرِئ مُرْصِدٍ لِلتَّلاَقِي، غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي، وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي، وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وَقِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي.

 


[1] ـ رواه ابن أبي الدنيا (ت 281) في مقتل الإمام أميرالمؤمنين: 56 قال: «حدثنا الحسين، حدثنا عبدالله، قال: حدثني أبو عليّ أحمد بن الحسن الضرير، حدثنا الحسين بن هارون، عن ابن زبار الكلبي، عن حكيم بن نافع، عن العلاء بن عبدالرحمن» والكليني (ت 329) في الكافي 1: 299 ح 6 «عن الحسين بن الحسن الحسني رفعه، ومحمد بن الحسن، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمري رفعه»، والقمي (ت 329) في تفسيره 2: 367 إلى قوله(عليه السلام): «موافاته»، والمسعودي (ت 346) في مروج الذهب 2: 436 قال: «وقد ذكر جماعة من أهل النقل عن أبي عبدالله جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ»، والطبراني (ت360) في المعجم الكبير 1: 96 قال: «حدثنا القاسم بن عباد الخطابي البصري، ثنا سعيد بن صبيح، قال: قال هشام بن الكلبي، عن عوانة بن الحكم» وعنه ابن عساكر (ت 571) في تاريخ دمشق 42: 562، واستشهد ابن الأثير (ت 606) في النهاية 2: 76 بقوله(عليه السلام): «وخلاكم ذم ما لم تشردوا».

[2] ـ مساق النفس: أي الأمر الذي تساق إليه النفس.

[3] ـ أَطْرَدَ: أمر بالإخراج والطرد.

[4] ـ خلاكم ذمّ: أي لا ذمّ عليكم.

[5] ـ تشردوا: تنفروا.

[6] ـ الوطأة: موضع القدم.

[7] ـ تدحض: تزلق.

[8] ـ أفياء: ظلال.

[9] ـ متلفقها: مجتمعها.

[10] ـ مخطّها: أثرها.

[11] ـ جثّة خلاء: خالية من الروح.

[12] ـ وداعيكم: أي وداعي لكم.