العربية
100%
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)

الخطبة 160: أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَحِكْمَةٌ، وَرِضَاهُ أَمَانٌ وَرَحْمَةٌ، يَقْضِي بِعِلْم، وَيَعْفُو بحِلْم.

[160] ومن خطبة له (عليه السلام) ([1])

[في تحميد الله وتنزيهه]

أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَحِكْمَةٌ، وَرِضَاهُ أَمَانٌ وَرَحْمَةٌ، يَقْضِي بِعِلْمٍ، وَيَعْفُو بِحِلْمٍ. اللَّهُمَّ لَكَ الْـحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَتُعْطِي، وَعَلَى مَا تُعَافِي وَتَبْتَلي. حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْـحَمْدِ لَكَ، وَأَحَبَّ الْـحَمْدِ إِلَيْكَ، وَأَفْضَلَ الْـحَمْدِ عِنْدَكَ، حَمْداً يَمْلَأُ مَا خَلَقْتَ، وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ، حَمْداً لا يُحْجَبُ عَنْكَ، وَلا يُقْصَرُ دُونَكَ، حَمْداً لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ، وَلا يَفْنَى مَدَدُهُ. فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ إلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ: حَيٌّ قَيُّومٌ، لا تَأْخُذُكَ سِنَةٌوَلاَ نَوْمٌ، لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ، وَلَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ، أَدْرَكْتَ الأَبْصَارَ، وَأَحْصَيْتَ الأَعْمَالَ، وَأَخَذْتَ بِالنَّواصِي وَالأَقْدَامِ، وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وَحَالَتْ سَوَاتِرُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ.

فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ، وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْـهَوَاءِ سمَـاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلى مَوْرِ([2]) الماءِ أَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً([3])، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً([4])، وَسَمْعُهُ وَالِـهَاً([5])، وَفِكْرُهُ حَائِراً.

 

منها: [كيف يكون الرجاء]

يَدَّعِي بِزعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللهَ، كَذَبَ وَالْعَظِيمِ! مَا بَالُهُ لا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ! فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ، وَكُلُّ رَجَاءٍ ـ إلاَّ رَجَاءَ اللهِ ـ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ([6])، وَكُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إلَّا خَوْفَ اللهِ؛ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ([7])، يَرْجُو اللهَ فِي الْكَبِيرِ، وَيَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي العَبْدَ مَا لا يُعْطِي الرَّبَّ، فَمَا بَالُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِعِبَادِهِ!

أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً! أَوْ تَكُونَ لا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً! وَكَذلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لا يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً، وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِماراً([8]) وَوَعْداً، وَكَذلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا في عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ، آثَرَهَا عَلَى اللهِ، فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَصَارَ عَبْداً لَـهَا.

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كَافٍ لَكَ فِي الأُسْوَةِ، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا، وَوُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا، وَفُطِمَ مِنْ رَضَاعِهَا، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا.

وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسى كَلِيمِ اللهِ إذْ يَقُولُ: <رَبِّ إِنِّي لِـمَا أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ> ، وَاللهِ، مَا سَأَلَهُ إلَّا خُبْزاً يَأْكُلُهُ، لاِنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الأَرْضِ، وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ([9]) بَطْنِهِ، لِـهُزَالِهِ وَتَشَذُّبِ لَـحْمِهِ([10]).

وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاودَ صَاحِبِ الْـمَزَامِيرِ، وقَارِئِ أَهْلِ الْـجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْـخُوصِ([11]) بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِـجُلَسَائِهِ: أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا! وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا.

وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (عليه السلام)، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْـحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْـخَشِنَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْـجُوعَ، وَسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ، وَظِلاَلُهُ([12]) في الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَلا مَالٌ يَلْفِتُهُ، وَلا طَمَعٌ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلاَهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ!

فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأَطْيَبِ الأَطْهَرِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِـمَنْ تَأَسَّى، وَعَزَاءً لِـمَنْ تَعَزَّى ـ وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ الْـمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، وَالْـمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ ـ قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً([13])، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً، أَهْضَمُ([14]) أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً([15])، وَأَخْمَصُهُمْ([16]) مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ، وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللهُ، وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللهُ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً للهِِ، وَمُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللهِ.

وَلَقَدْ كَانَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ: «يَا فُلاَنَةُ ـ لاِحْدَى أَزْوَاجِهِ ـ غَيِّبِيهِ عَنِّي، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا».

فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً([17])، وَلا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً، وَلا يَرْجُو فِيهَا مُقَامَاً، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ، وَأَشْخَصَهَا([18]) عَنِ الْقَلْبِ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ.

وَكَذلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ. وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسَاوِئِ الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا: إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ، وَزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ([19]).

فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ: أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) بِذلِكَ أَمْ أَهَانَهُ! فَإِنْ قَالَ: أَهَانَهُ، فَقَدْ كَذَبَ ـ وَاللهِ الْعَظِيمِ ـ وَإِنْ قَالَ: أَكْرَمَهُ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ، وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ.

فَتَأسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ، وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ، وَوَلَجَ مَوْلِـجَهُ، وَإلَّا فَلاَ يَأْمَنِ الْـهَلَكَةَ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّوَجَلَّ جَعَلَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَلَماً لِلسَّاعَةِ([20])، وَمُبَشِّراً بِالْـجَنَّةِ، وَمُنْذِراً بِالعُقُوبَةِ. خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً، وَوَرَدَ الآخِرَةَ سَلِيماً، لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ، فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ، وَقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ! وَاللهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي([21]) هذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ: أَلاَ تَنْبِذُهَا؟ فَقُلْتُ: أُعْزُبْ عَنِّي، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى([22]).

 


[1] ـ روى الإسكافي (ت 220) في المعيار والموازنة: 257 قوله «ما الذي نرى من خلقك ـ إلى قوله : ـ وفكره حائراً» باختلاف، وروى القمي (ت 329) في تفسيره 2: 138 وصفه(عليه السلام) لموسى، وروى الشيخ الصدوق (ت 381) في الأمالي: 718 ح 7 قوله: «لقد رقعت مدرعتي» باختلاف، قال: «حدثنا عليّ بن أحمد بن موسى الدقاق 1، قال: حدثنا محمّد بن الحسن الطائي، قال: حدثنا محمّد بن الحسين الخشاب، قال: حدثنا محمّد بن موسى ، عن المفضل بن عمر ، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه عن جده عن أبيه : قال: قال أميرالمؤمنين...».

[2] ـ المور: الموج.

[3] ـ الحسير: المتعب.

[4] ـ المبهور: المغلوب.

[5] ـ الواله: المتحيّر.

[6] ـ المدخول: المعيب أو المغشوش.

[7] ـ محقق: ثابت، والخوف المعلول: نقيض الثابت.

[8] ـ الضمار: ما لا يرجى من الوعود.

[9] ـ الصفاق: الجلد الباطن الذي فوقه الجلد الظاهر من البطن، وشفيفه: رقيقه الذي يستشف ما وراءه.

[10] ـ تشذّب اللحم: تفرقه.

[11] ـ الخوص: ورق النخل، وسفافه: نسيجه.

[12] ـ الظلال: جمع الظل، وهو الكنّ والمأوى، ومن كان ظلاله المشرق والمغرب فلا ظلال له.

[13] ـ قضم الدنيا: تناول منها قدر الكفاف.

[14] ـ يقال: رجل أهضم: إذا كان خميصاً لقلّة الأكل.

[15] ـ الكشح: الخاصرة.

[16] ـ الخمص: خلو البطن وانطباقها من الجوع.

[17] ـ الرياش: الزينة.

[18] ـ أشخصها: أذهبها وأبعدها.

[19] ـ زويت: طُويت وقُبضت. زلفته: قربته من الله تعالى.

[20] ـ العلم: العلامة، أي بعثه دليل على قرب القيامة.

[21] ـ المدرعة: ثوب من صوف.

[22] ـ السُّرى: السير بالليل، ومعناه: إذا أصبح النائمون ورأوا انّ السائرين قد وصلوا إلى مقاصدهم، حمدوا سيرهم وندموا على أنفسهم، وهو مثل يضرب لمحتمل المشقة العاجلة رجاء الراحة الآجلة.