العربية
100%

[190]  ومن خطبة له([1])(عليه السلام)

[يحمد الله ويثني على نبيّه ويعظ بالتقوى]

أَحْمَدُهُ شُكْراً لِإِنْعَامِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ([2]) حُقُوقِهِ، عَزِيزَ الْـجُنْدِ، عَظِيمَ الْـمَجْدِ. وَأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَقَاهَرَ أَعْدَاءَهُ جِهَاداً عَنْ دِينِهِ، لا يَثْنِيهِ عَنْ ذلِكَ اجْتِماعٌ على تَكْذِيبِهِ، وَالْتِمَاسٌ لاِِطْفَاءِ نُورِهِ.

فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّ لَـهَا حَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ، وَمَعْقِلاً ([3]) مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ، وَبَادِرُوا الْـمَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ، وَامْهَدُوا([4]) لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ، وَكَفَى بِذلِكَ وَاعِظاً لِـمَنْ عَقَلَ، وَمُعْتَبَراً لِـمَنْ جَهِلَ! وَقَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الأَرْمَاسِ([5])، وَشِدَّةِ الإِبْلاَسِ([6])، وَهَوْلِ الْـمُطَّلَعِ([7])، وَرَوْعَاتِ الْفَزَعِ، وَاخْتلاَفِ الأَضْلاَعِ([8])، وَاسْتِكَاكِ الأَسْمَاعِ([9])، وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ، وَخِيفَةِ الْوَعْدِ، وغَمِّ الضَّرِيحِ([10])، وَرَدْمِ الصَّفِيحِ([11]).

فَاللهَ اللهَ عِبَادَ اللهِ! فَإِنَّ الْدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنٍ، وَأَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ فِي قَرَنٍ([12])، وَكَأَنَّهَا قَد جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا، وَأَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا([13])، وَوَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى سِراطِهَا، وَكَأنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِـهَا، وَأَنَاخَتْ بِكَلاَكِلِهَا([14])، وَانْصَرَمَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا، وَأَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا، فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى وَشَهْرٍ انْقَضَى، وَصَارَ جَدِيدُهَا رَثّاً، وَسَمِينُهَا غَثّاً([15])، فِي مَوْقِفٍ ضَنْكِ الْـمَقَامِ، وَأُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ، ونَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا([16])، عَالٍ لَـجَبُهَا([17])، سَاطعٍ لَـهَبُهَا، مُتَغَيِّظٍ([18]) زَفِيرُهَا، مُتَأَجِّجٍ سَعِيرُهَا، بَعِيدٍ خُمُودُهَا، ذَاكٍ([19]) وُقُودُهَا، مَخُوفٍ وَعِيدُهَا، عَمٍ قَرارُهَا([20])، مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا([21])، حَامِيَةٍ قُدُورُهَا، فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا.

<وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْـجَنَّةِ زُمَراً>، قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ، وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدّارُ، وَرَضُوا الْـمَثْوَى وَالْقَرَارَ، الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُـهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً، وَأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً، وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً، تَخَشُّعاً وَاسْتِغْفَاراً، وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً، تَوَحُّشَاً وَانَقِطَاعاً، فَجَعَلَ اللهُ لَـهُمُ الْـجَنَّةَ ثَوَاباً،<وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَها> في مُلْكٍ دَائِمٍ، وَنَعِيمٍ قَائِمٍ.

فَارْعَوْا عِبَادَ اللهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ، وَبِإضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ، وَمَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ، وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْـمَخُوفُ، فَلاَ رَجْعَةً تَنَالُونَ، وَلا عَثْرَةً تُقَالُونَ.

اسْتَعْمَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وعَفَا عَنَّا وَعَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ.

الْزَمُوا الأَرْضَ([22])، وَاصْبِروُا عَلَى الْبَلاءِ، وَلا تُحرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَسُيُوفِكُمْ وهَوَى أَلْسِنَتِكُمْ، وَلا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللهُ لَكُمْ، فَإِنّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ عَزَّوَجَلّ وَحَقِّ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ، واسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ، وَقَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلاَتِهِ([23]) لِسَيْفِهِ، فإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَأَجَلاً.

 


[1] ـ قال ابن أبي الحديد في شرحه 13: 114 «واعلم انّ هذه الخطبة من أعيان خطبه (عليه السلام)، ومن ناصع كلامه ونادره، وفيها من صناعة البديع الرائقة المستحسنة البريئة من التكلّف ما لا يخفى، وقد أخذ ابن نباتة الخطيب كثيراً من ألفاظها فأودعها خطبه»، وابن نباتة هذا توفي عام (374 هـ).

[2] ـ الوظائف: جمع الوظيفة، وهي هنا الواجبات.

[3] ـ المعقل: ما يعتصم به.

[4] ـ امهدوا: اتخذوا مهاداً وهو الفراش، كناية عن الاستعداد له.

[5] ـ الأرماس: جمع رمس وهو القبر.

[6] ـ الابلاس: مصدر أبلس أي خاب وانقطع ويئس.

[7] ـ المطّلع: موضع الاطلاع من ارتفاع إلى انحدار، كناية عن المنزلة التي منها يشرف الإنسان على اُمور الآخرة، وهي منزلة البرزخ.

[8] ـ اختلاف الأضلاع: دخول بعضها في بعض من شدّة الضغط.

[9] ـ استكاك الأسماع: صممها.

[10] ـ غمّ الضريح: ضيق القبر وكربه.

[11] ـ الصفيح: الحجر، وردمه: سدّه.

[12] ـ القرن: الحبل.

[13] ـ أزفت: قربت، وأفراطها: جمع فرط أي مقدم القوم إلى الماء.

[14] ـ كلاكل: جمع كلكل وهو الصدر.

[15] ـ الغث: الهزيل.

[16] ـ كلبها: شرّها وأذاها.

[17] ـ اللجب: الصوت.

[18] ـ متغيّظ: متعال من الغيظ.

[19] ـ ذكت النار: اشتعلت.

[20] ـ عم قرارها: أي لا يهتدى فيه لظلمته، ولأنّه عميق جدّاً.

[21] ـ القطر: الناحية والجانب.

[22] ـ الزموا الأرض: كناية عن السكون، ينصحهم به عند عدم توفّر أسباب المغالبة.

[23] ـ الاصلات: مصدر أصلت أي سلّ.