
قبّة مزدوجة تُعدّ الأعلى بين قباب ضرائح الأئمّة المعصومين عليهم السلام، يبلغ ارتفاعها 30 متراً حتى عُقدة البناء، و35 متراً مع إكليلها الشعاعي. القبّة الخارجيّة بَصَليّة ذات رقبة طويلة، ويبلغ قطرها 16.50 متراً[1].
للقبّة رقبة طويلة يبلغ ارتفاعها نحو5.50 متر، يتخللها 12 شباكاً، إشارة إلى أئمتنا المعصومين الاثني عشر عليهم السلام[2]
يُحيط بالقبّة من الخارج شريط عريض نُقِشت عليه بحروف ذهبيّة بارزة الآياتُ الإحدى عشرة الأولى من سورة الفتح إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ﴾سورة الفتح: الآية11، وتمّ إكمال آيات السورة بتوزيعها على لوحات صغيرة وُضعت حول رقبة القبّة. ويوجد شريطان ضيّقان في أعلى وأسفل الكتيبة القرآنية، نُقِشت عليهما أبيات من الشعر الفارسي والتركي الأذري[3].
تمّ وضع الإكليل الشعاعي في أعلى القُبّة عند تذهيبها في عهد السلطان نادر شاه، ويبلغ الارتفاع الكلّي للإكليل مع الرمانة التي يرتكز عليها نحو 4.75 متر[4]
ولهذا الإكليل رمزية عقائدية مستوحاة من كتاب الله وأحاديث أهل البيت عليهم السلام؛ إذ يتكون من حلقة دائرية تمثل قرص الشمس يخرج منها أربعة عشر شعاعاً ترمز للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم، وفيها إشارة إلى مقام النورانية لأهل البيت عليهم السلام[5]، فضلاً عن الإشارة إلى كرامة ردّ الشمس للإمام علي عليه السلام [6].
ويوجد في وسط الدائرة قلبٌ يتحرّك حول محور بتأثير الرياح، وفيه إشارةٌ إلى مقام القُطبيّة لسيّد الأوصياء عليه السلام[7].
ويعلو الحلقة الشعاعية كفٌّ يرمز إلى الخمسة أهل الكساء صلوات الله عليهم كُتب براحته الآية القرآنية: ﴿يدُ اللهِ فَوْقَ أَيْديهمْ﴾سورة الفتح: الآية 10، في إشارة إلى بيعة أمير المؤمنين عليه السلام [8].
أمّا القبّة الداخليّة للحرم فهي محدّبة الشكل، يبلغ ارتفاعها عن مستوى أرض الحرم قرابة 23.50 متراً، ويصل قطرها إلى 13.5 متراً، وتحتوي على اثني عشر شباكاً مخصّصاً لتهوية الحرم والمساهمة في الإنارة الطبيعية[9].
يُشاهد باطن القبّة مزخرفاً بفسيفساء بديعة وُضعت في عهد السلطان نادر شاه، وكُتبت سورة الفجر بشكل دائري في أعلى الشبابيك، وكذلك سورة النبأ على شريط آخر أسفل الشبابيك. وهذا الأخير يُؤطّر من الأعلى والأسفل بـ 48 بيتاً شعرياً من القصيدة العينية لابن أبي الحديد المعتزلي، ابتدأت بالبيت الآتي:
يا بَرْقُ إنْ جِئْتَ الغَرِيَّ فَقُلْ لَهُ *** أَتُراكَ تَعْلَمُ مَنْ بِأَرْضِكَ مُودَعُ[10].
إصلاحات القبّة :
شهدت القبّة المنوّرة عدداً من الإصلاحات التي أُجريت عليها في فترات زمنية مختلفة، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: قام الوالي حسن باشا عام 1129هـ/1717م بترميم القبّة، وكانت آنذاك مكسوّة بالقاشاني، كما أنشأ سقفاً مرتفعاً للإيوان الشرقي الكبير[11].
ثانياً: تمّ تذهيب القبّة على يد السلطان نادر شاه عام 1156هـ/1743م[12].
ثالثاً: رمِّمت القبّة عام 1304هـ/1886م بإزالة الصفائح الذهبية وسدّ الشقوق وتدعيمها بطوقين حديديين، وأُنجز العمل عام 1305هـ/1887م[13].
رابعاً: جرى إصلاح القبّة على نفقة وزارة الأوقاف العراقية بين 1347–1348هـ/1928–1929م بسبب تسرّب الأمطار، وشمل رفع الصفائح الذهبية وسدّ الشقوق[14].
خامساً: في عام 1372هـ/1953م ظهرت شقوق في محيط القبّة، فكُشف عنها ورُمِّمت بالطابوق والجص والبورك، مع إضافة أطواق حديدية مغلّفة بالإسمنت، وكان ذلك ضمن أعمال ترميم أخرى في المرقد المقدّس بإشراف قائمقام قضاء النجف الأشرف آنذاك[15].
سادساً: تمّ ترميم القسم البصلي العلوي من القبّة عام 1388هـ/1968م بتبرّع من الحاج محمد رشاد مرزه وبإذن من مرجع الطائفة السيد محسن الحكيم، وشمل الترميم القبّتين الداخلية والخارجية مع تدعيم الهيكل وإعادة التذهيب، واكتمل العمل عام 1391هـ/1971م[16].
وقد أرّخَ الشيخ عبدالغفار الأنصاري عام الشروع بالعمل (1388هـ) بقوله:
قَدْ تَجَلَّتْ قُبَّةٌ لِلْمُرْتَضى *** وَلَها اللهُ جَلالاً قَدْ وَهَبْ
بُورِكَ (المُحْسِنُ) فِي تَذْهِيبِها *** فَبِها نالَ (الرَّشادَ) وَالإِرَبْ
وَلَها مِنْ لُطْفِهِ أَرِّخْ كَسا *** مِنْ سَنا نُورِ عَليٍّ بِالذَّهَبْ [17].
سابعاً: في سنة 1411هـ/1991م تعرّضت القبّة لقصفٍ مدفعي من أزلام النظام البعثي البائد إثر الانتفاضة الشعبانية، فأُصيبت القبّة الخارجية بأضرار جسيمة، ولا سيّما في الجهة الشمالية، وبعد انتهاء الأحداث جرى إصلاحها بترقيع المواضع المتضرّرة، وكذلك قُلع حزام القبّة من مكانه[18].
ثامناً: بعد سقوط نظام البعث عام 2003م، تولّت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف مهمة الإشراف على العتبات المقدّسة، وأبرمت الأمانة العامة للعتبة العلوية المقدّسة اتفاقية مع لجنة إعمار العتبات في إيران ومع معهد الإحياء والترميم في طهران بإشراف الدكتور علي رضا بهرمان لصيانة حزام القبّة[19]، واكتمل العمل في 13 رجب 1430هـ/2009م بالتزامن مع ذكرى ولادة أمير المؤمنين عليه السلام، وأُعيد الحزام إلى مكانه[20].
تاسعاً: أُعيد تذهيب رقبة القبّة عام 2014م بإشراف الكوادر الهندسية المتخصصة في العتبة العباسية المقدّسة، أما المرحلة الثانية من المشروع، المتمثلة في تذهيب القسم العلوي للقبّة، فقد أُسندت إلى مؤسسة الكوثر الإيرانية بالتعاون مع الكوادر الهندسية والفنية من العتبة العلوية المقدّسة.
وفي يوم 17 ربيع الأول 1438هـ الموافق 17 كانون الأول 2016م الذي تزامن مع ذكرى ولادة النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وولادة حفيده الإمام جعفر الصادق عليه السلام، اكتمل العمل وأُزيح الستار في احتفال بهيج عن القبّة المنوّرة بعد إعادة تذهيبها[21].
وقد أرّخ الأستاذ محمد علي الزهيري عام إرجاع الإكليل الشعاعي بقوله:
تاجٌ عَلى القُبَّةِ أَعْلى الرُتَبِ *** ما رَمْزُهُ ذاتَ المَعالِي أَجِبِي
إلى أنْ يقول:
وَقَدْ أعادُوا التَّاجَ فِي مَوْضِعِهِ *** وَالتَّاجُ قِدْماً كانَ مِنْ أَمْرِ النَّبِي
وَقَدْ زَها لَمـّا أَعادُوا تاجَهُ *** تَارِيخُ هِجْرِيِّ الشُّعاعِ الذَّهَبِي[22].
وأرّخ الأستاذ علي الصفار عام تذهيب القبّة بقصيدة مطلعها:
يا قُبَّةً فِيكِ رَوْحُ الرُّوحِ يَنْسَكِبُ *** حَيْثُ الوُجودُ عَلى وَهْمِ الفَنا يَثِبُ
إلى أنْ يقول مؤرّخاً:
لِلدَّهْرِ أَرِّخْ عَليٌّ يا أَبا حَسَنٍ *** بِمَوْلِدِ المُصْطَفى قَدْ جُدِّدَ الذَّهَبُ[23].