مشاهدة ابن بطوطة - شفاء المرضى عند المرقد الطاهر

قال محمد بن بطوطة في رِحلتهِ التي سمّاها: ( تُحفةُ الأنظار في غَرائِب الأمصار وعجائبُ الأسفار )، وقَد فرغ مِنها سنة 756 هـ، في ذِكر ورودِه من مَكة الى مشهدِ مولانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد ذَكر الرّوعَة والقُبورَ التي بها، حيث قال: ( ويُدخلُ من بابِ الحضرةِ الى مدرسةٍ عظيمةٍ يَسكُنُها الطلَبةُ والصّوفية من الشِّيعة، ولكلِ واردٍ ضيافَةُ ثلاثةِ أيامٍ منَ الخُبزِ واللّحم والتّمر مَرتينِ في اليومِ، ومِن تلكَ المدرَسة يُدخلُ الى بابِ القُبة، وعلى بابِها الحُجّاب والنّقباء والطواشيةُ، فعندَما يَصلُ الزّائر يَقومُ احدُهم أو جميعُهُم - وذلكَ على قدرِ الزّائر- فيقفونَ مَعه على العتبةِ، ويستأذِنونَ لَهُ، ويقُولونَ : عن أمرِكم يا أميرالمؤمنينَ، هذا العبدُ الضّعيف يَستأذنُ على دُخولِه للرّوضة العَليّة، فإن أذَنتُم له، وإلا رَجعَ، وإنْ لم يَكُنْ أهلاً لذلك، فأنتُم أهلُ المكارِم والستر، ثُمّ يأمرونَه بتقبيلِ العَتبة وهي مِنَ الفِضة، وكذلك العضادتان، ثُمّ يَدخل القبة، وهي مَفروشةٌ بأنواعِ البسط مَن الحَريرِ وسواهُ، وبها قناديلُ الذّهب والفِضةِ، مِنها الكبار والصغار، وفي وَسط القُبةِ مَسطبةٌ مُربّعة مَكسوةٌ بالخشب عليه صفائحُ الذّهب المنقوشة المُحكمة العمل مسمرة بمسامير الفضة، قد غلبت على الخشب بحيث لايظهرُ منه شئٌ، وارتفاعها دون القامة، وفوقُها ثلاثة من القبورِ يزعُمونَ أن أحدَها قبرُ آدمٍ (عليه السلام)، والثاني قبرُ نوحٍ (عليه السلام)، والثالث قبرُ عليٍ (رضي الله عنه)، وبين القبورِ طسوتِ ذهبٍ وفِضةٍ، فيها ماءُ الورد والمِسك، وأنواعُ الطيب، يَغمِس الزائرُ يده في ذلك ويدهن به وجهه تبركاً.

وللقُبةِ بابٌ آخر عتبتُه ايضاً من الفِضة، وعليه ستورٌ من الحريرِ الملّون، يُفضي الى مَسجدٍ مفروشٍ بالبسط الحِسان، مستورةٌ حيطانُه وسقفُه بستورِ الحرير، ولهُ أربعة أبوابٍ، عتبتها فضة وعليها ستور الحرير، وأهلُ المدينة كلُّهم رافضية، وهذه الرّوضة ظهرت لها كرامات ثَبت بِها عندهم، أن بها قبر علي رضي الله عنه.

فمِنها: إنّ ليلةَ السابع و العشرين من رجب - ويسمى عِندهم ليلةَ المَحيا - يُؤتَى الى تلكَ الرّوضة بكل مُقعدٍ منَ العراقيينَ وخُراسان وبلادِ فارسٍ والرُّوم، فيجتمعُ منهُم الثلاثون والأربعون ونحوِ ذلك، فإذا كان بعدَ العشاءِ الآخرة جُعِلوا عِند الضريح المقدّس، والنّاس يَنتظرونَ قيامَهم، وهم مابينَ مُصلٍّ وذاكرٍ وتالٍ ومُشاهدٍ للرّوضة، فإذا مَضى من اللّيل نِصفُه، أو ثُلثاه أو نحو ذلك، قام الجَميعُ أصحاءَ من غيرِ سوءٍ: وهُم يقولون : لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله عليٌ ولي الله.

وهذا أمرٌ مُستفيضٌ عِندَهُم سَمِعتُه مِن الثُّقات، ولَمْ أحضَر تِلك اللّيلة، ولكنّي رَأيتُ بمدرَسةِ الضّيافة ثلاثةً من الرِّجال، أحدُهُم مِن أرضِ الرُّوم، و الثاني من إصبهان، والثالثُ من خُراسان، وهم مُقعدُون، فاستَخبرتهم على شأنِهم، فأخبروني أنّهم لم يُدركوا ليلةَ المَحيا، وأنَّهم يَنتظرونَ أوانها من عامٍ آخر.

وهذه الليلةُ يجتمعُ لها من النّاس من البلادِ ويُقيمونَ سُوقاً عظيمة، مدةَ عَشرةِ أيام.

 


رحلة ابن بطوطة : ص 147 . الأنوار البهية ص 80