موقفه (عليه السلام) من هجوم الدار

  لم يكن موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في الأحداث التي تعقّبت رحيل الخاتم المصطفى (صلى الله عليه وآله) -وبالأخص أحداث الهجوم على الدار وانحراف الخلافة عن مسارها الحقيقي والصحيح- موقفاً غير محسوب بالحسابات العلوية الحكيمة، فلم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) متخذِّاً موقفاً من المواقف العامة إلا بوحي إلهي على لسان نبينا الخاتم (صلى الله عليه وآله)، هذا في مواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) الطبيعية، وأما في حدث كحدث الهجوم على الدار وحرف بوصلة الإمامة عن أهلها وتغيير كثير من الأحكام الشرعية فأكيداً سيكون الامر مخططاً له من قبل السماء؛ لأن الأحداث التي جرت هي أحداث تمسّ كيان الإسلام، فلا بدّ وأن يكون الموقف فيها موقفاً سماوياً، فقد جاء في كتاب (البرهان في تفسير القرآن: ج3، ص774) عن كتاب سليم بن قيس الهلالي: أن الأشعث بن قيس قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): (مَا مَنَعَكَ حِينَ بُويِعَ أَخُو بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَأَخُو بَنِي عَدِيٍّ، وَأَخُو بَنِي أُمَيَّةَ بَعْدَهُمْ أَنْ تُقَاتِلَ وَ تَضْرِبَ بِسَيْفِكَ، فَإِنَّكَ لَمْ تَخْطُبْنَا خُطْبَةً مُنْذُ قَدِمْتَ الْعِرَاقَ إِلاَّ قُلْتَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ مِنَ الْمِنْبَرِ: «وَاللهِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ، وَمَا زِلْتُ مَظْلُوماً مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَضْرِبَ بِسَيْفِكَ دُونَ مَظْلَمَتِكَ؟ قَالَ: «يَا ابْنَ قَيْسٍ قَدْ قُلْتَ فَاسْتَمِعِ الْجَوَابَ، لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ ذَلِكَ الْجُبْنُ، وَلاَ كَرَاهِيَةٌ لِلِقَاءِ رَبِّي وَأَنْ لاَ أَكُونَ أَعْلَمُ بِأَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِي مِنَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا، وَلَكِنْ مَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ أَمْرُ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَعَهْدُهُ إِلَيَّ؛ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِمَا الْأُمَّةُ صَانِعَةٌ بَعْدَهُ، فَلَمْ أَكُنْ بِمَا صَنَعُوا حِينَ عَايَنْتُهُ بِأَعْلَمَ وَ لاَ أَشَدَّ اسْتِيقَاناً مِنِّي بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، بَلْ أَنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَشَدُّ يَقِيناً مِنِّي بِمَا عَايَنْتُ وَ شَاهَدْتُ.

فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ): فَمَا تَعْهَدُ إِلَيَّ إِذَا كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنْ وَجَدْتَ أَعْوَاناً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ وجَاهِدْهُمْ، وإِنْ لَمْ تَجِدْ أَعْوَاناً فَكُفَّ يَدَكَ واحْقِنْ دَمَكَ، حَتَّى تَجِدَ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ وكِتَابِ اللهِ وسُنَّتِي أَعْوَاناً).