موقفه من بيعة الأول

  يبقى السؤال: هل بايع الإمامُ عليّ (عليه السلام) أبا بكر؟

  الجواب: أوّلاً: أصل البيعة مع أبي بكر غير معلوم، والروايات مختلفة، ففي بعضها بايع كُرهاً، وفي بعضها لم يبايع حتّى توفّيت فاطمة (عليها السلام)، وفي بعضها لم يبايع أصلاً.

  ثانياً: على تقدير البيعة فقد كانت إكراهاً وبلا رضىً منه، وقد صرّحت الروايات بذلك بأنّه أُكره على البيعة وهدّدوه بقتله وقتل أصحابه.

  وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (والله ما بايع عليّ حتّى رأى الدخان قد دخل بيته)[1].

  وفي إثبات الوصيّة للمسعودي، ج1، ص146: (... فأقام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن معه من شيعته في منازلهم، بما عهده إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فوجّهوا إلى منزله فهجموا عليه، وأحرقوا بابه، واستخرجوه منه كرهاً، وضغطوا سيدة النساء (عليه السلام) بالباب، حتى أسقطت محسناً، وأخذوه بالبيعة فامتنع، وقال: لا أفعل: فقالوا نقتلك فقال: إن تقتلوني فاني عبد الله وأخو رسوله، وبسطوا يده فقبضها، وعسر عليهم فتحها، فمسحوا عليه وهي مضمومة ...)[2].

وفي كلام ابن قتيبة: (...وبقي عمر ومعه قوم: فأخرجوا عليّاً (عليه السلام) فمضوا به إلى أبي بكر.

فقالوا له: بايع.

فقال: إن لم أفعله فمه؟

قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلّا هو نضرب عنقك)[3].

وفي تاريخ الطبري نقل ابن خيزرانة في غرره قال زيد بن أسلم: (كنت ممّن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين أمتنع عليّ وأصحابه من البيعة)[4].

ولمّا كان الإمام المعصوم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) رأى أنه وأصحابه سوف يُقتلون، ولا يترتب على قتلهم أيّ فائدة ونفع للإسلام، فبايع مكرهاً، وكان معذوراً عند الله تعالى، ولذا ورد أنه حينما مرّوا به على قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) التفت إليه وقال: (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي)[5]، وأنه قال: وا جعفراه ولا جعفر لي اليوم، وآحمزتاه ولا حمزةَ لي اليوم...)[6]

نعم، باعتقادنا إنّ عليّاً (عليه السلام) كان يتمكن لوحده أن يقضي عليهم، ويأخذ بحقه الشرعي في الخلافة والإمامة قهراً، ولكنّه لأجل حرصه الشديد على كيان الإسلام ترك ذلك؛ لأنّه رأى أكثر القوم منحرفين عنه يشعرون تجاهه بالحقد الدفين؛ لأنّه قتل آباءهم وأبناءهم وعمومتهم وأبناء عشيرتهم في الغزوات دفاعاً عن الإسلام والمسلمين، فإمّا أن يقتلهم جميعاً أو يرتدوا على أدبارهم كفّاراً وتبقى جماعة قليلة من المؤمنين يزول الإسلام بزوالهم.

  عن إبراهيم الكرخي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أو قال له رجل أصلحك الله ألم يكن علي (عليه السلام) قوياً في دين الله عزّ وجلّ؟ قال بلى، قال فكيف ظهر عليه القوم وكيف لم يدفعهم وما منعه من ذلك؟ قال: آية في كتاب الله عز وجل منعته قال: قلت وأي آية؟ قال قوله تعالى: (...لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)[7]، انّه كان لله عزّ وجلّ ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علي (عليه السلام) ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع، فلما خرج الودائع ظهر علي على من ظهر فقاتله...)[8].

 

المصادر:

ـ الإمام والسياسة: ابن قتيبة ـ مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع.

ـ إثبات الوصية: المسعودي ـ الناشر انصاريان ـ قم 1384.

ـ تاريخ الطبري ـ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان ص. ب 7120.

 

 

[1] بحار الأنوار ـ العلامة المجلسي: ج28، ص 390.

[2] إثبات الوصية ـ المسعودي: ص116.

[3] الإمامة والسياسة ـ ابن قتيبة :ج1 ، ص30.

[4] تاريخ الطبري ـ محمد بن جرير الطبري: ج3، ص 198.

[5] سورة الأعراف: آية 150.

[6] شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد: ج11، ص111.

[7] سورة الفتح: آية 25.

[8] علل الشرائع ـ الشيخ الصدوق: ج1، ص 147.