مُبَايَعتُهُ (عليهِ السَّلامُ) بَعْدَ مَقْتلِ عُثْمَانَ

  لَمّا قُتِلَ عثمانُ بنُ عَفّان، اجتَمَعَ عَامّةُ النَّاسِ والمُهاجِرونَ وَالأَنصارُ وفيهِم طَلحَةُ وَالزُّبَيرُ، فَأَتَوا عَلِيّاً (عليهِ السَّلام)، فَقالوا لَهُ: إنَّهُ لابُدَّ لِلنّاسِ مِن إِمامٍ! قالَ: لا حاجَةَ لي في أمرِكُم؛ فَمَنِ اخترَتُم رَضيتُ بِهِ، فَقالوا: ما نَختارُ غَيرَكَ، وتَرَدَّدوا إلَيهِ مِراراً، وقالوا لَهُ في آخِرِ ذلِكَ: إِنّا لا نَعْلَمُ أَحَداً أَحَقَّ بِهِ مِنكَ؛ لَا أَقدَمَ سابِقَةً، وَلَا أَقرَبَ قَرابَةً مِن رَسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، فَقالَ (عليهِ السَّلام): لا تَفعَلوا، فَإِنّي أَكونُ وَزيراً خَيراً مِن أَن أَكونَ أَميراً، فَقالوا: وَاللهِ ما نَحنُ بِفاعِلينَ حَتّى نُبايِعَكَ، قالَ (عليهِ السَّلام): فَفِي المَسجِدِ؛ فَإِنَّ بَيعَتي لا تَكونُ خَفِيَّةً، ولا تَكونُ إِلّا فِي المَسجِدِ ـ وكانَ في بَيتِهِ ، وقيلَ: في حائِطٍ (بستان) لِبَني عَمرِو بنِ مَبذولٍ ـ، فَخَرَجَ (عليهِ السَّلام) إِلَى المَسجِدِ وعَلَيه إِزارٌ وَطَاقٌ وَعِمامَةُ خَزٍّ، ونَعْلاهُ في يَدِهِ ، مُتَوَكِّئاً عَلى قَوْسٍ، فَبَايَعَهُ النّاسُ، وكانَ أوَّلُ مَن بايَعَهُ مِنَ النّاسِ طَلْحَةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ والزُّبيرُ بنُ العوّام، فَنَظَرَ حَبيبُ بنُ ذُؤَيبٍ إِلى طَلْحَةَ فَقالَ: إِنّا للهِ! أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالبَيعَةِ يَدٌ شَلّاءُ! تاريخ الطبري: ج4، ص428

  قالَ أَميرُ المؤمنينَ (عليهِ السَّلام) وَاصِفاً بيعتَهُ بعدَ مقتلِ عثمانَ بنِ عفّان: (فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ وَالنَّاسُ إِليَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِب، حَتَّى لَقَدْ وُطِىءَ الحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلي كَرَبِيضَةِ الغَنَمِ، فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَفَسَقَ آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُريدُونَ عُلُوّاً في الأَرْضِ وَلَاَ فَسَادَاً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، بَلَى! وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتَ الدُّنْيَا في أَعْيُنِهمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا! أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلا سَغَبِ مَظْلُوم، لأَلقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، وَلأَلفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز). شرح نهج البلاغة: ج17، ص152

قالَ (عليهِ السَّلام): (بَسَطتُم يَدي فَكَفَفتُها، ومَدَدتُموها فَقَبَضتُها، ثُمَّ تَداكَكتُم عَلَيَّ تَداكَّ الإِبِلِ الهيمِ عَلى حِياضِها يَومَ وِردِها، حَتَّى انقَطَعَتِ النَّعلُ، وسَقَطَ الرِّداءُ، ووُطِئَ الضَّعيفُ، وبَلَغَ مِن سُرورِ النّاسِ بِبَيعَتِهِم إيّايَ أَنِ ابتَهَجَ بِهَا الصَّغيرُ، وهَدَجَ إِلَيهَا الكَبيرُ، وتَحامَلَ نَحوَها العَليلُ، وَحَسَرَت إِلَيهَا الكِعابُ). الكامل في التاريخ: ج2، ص302